فالح حسون الدراجي… حين تتحول القصيدة إلى بوصلة مصالح
ضياء الكواز كتب
في بلدٍ أنهكته الخيانات الصغيرة قبل الكبيرة، لا يثير الاستغراب أن يظهر مثقفٌ متقلّب، لكن الصادم أن يُقدَّم هذا التقلّب بوصفه “تطوراً فكرياً” أو “نضجاً سياسياً”. فالح حسون الدراجي ليس مجرّد شاعر اختلف الناس حول موهبته، بل نموذج صارخ للمثقف الذي لم يعرف في حياته موقفاً ثابتاً، ولا بوصلـة أخلاقية، سوى حيث تكون السلطة… وحيث تكون المصلحة.
بدأ الرجل مسيرته لاعباً في نادي الزوراء، ثم اعتزل الرياضة ليجد في الشعر سلّماً أسرع للصعود. ولم يتأخر كثيراً في اكتشاف أن القصيدة في زمن النظام السابق لم تكن تعبيراً عن الوجدان، بل أداة تلميع، فكان من أكثر الأصوات التي مجّدت صدام حسين، وباركت الحرب العراقية–الإيرانية، وسوّقت للموت بوصفه بطولة، وللمقابر بوصفها نصراً. كُرِّم، واحتُفي به، وأُغدقت عليه الامتيازات، فصار “شاعر المرحلة” بامتياز.
لكن ما إن تغيّرت الرياح، حتى غيّر الدراجي اتجاهه بلا تردّد. سافر إلى الأردن، الدولة التي احتضنته وقدّمت له اللجوء، ليخلع فجأة عباءة الممجّد ويظهر بلباس المعارض. لا اعتذار، لا مراجعة، لا شجاعة اعتراف… فقط انتقال ميكانيكي من خندق إلى آخر. ثم عاد بعد 2003، لا بوصفه ناقداً لما كتب، بل كمن يريد محو ذاكرته السابقة بالكامل.
بلغ الانحدار ذروته مع مقاله المشؤوم “كلنا أبو درع”، الذي لم يكن مجرد رأي، بل تبريراً فجّاً للعنف الطائفي، وطعنة أخلاقية في خاصرة مجتمع ينزف. يومها لم يكن الدراجي شاعراً ولا صحفياً، بل شريكاً في غسل خطاب الدم، مهما حاول لاحقاً التبرير أو الهروب.
ولم تنتهِ الحكاية. بعد سنوات من الغياب، عاد محرراً في جريدة “العراق”، ثم غادرها فجأة إلى الولايات المتحدة، ليستقر هناك ويقدّم برنامج “مواويل وشعر” عبر إذاعة العراق الحر. حتى بدا وكأن المسافة الجغرافية ستمنحه مسافة أخلاقية… لكن الوهم لم يدم طويلاً.
اليوم، يعود فالح حسون الدراجي إلى المشهد العراقي رئيساً لتحرير جريدة “الحقيقة”، المعروفة بولائها الواضح للمحور الإيراني. وهنا تتكشف الصورة كاملة:
من تمجيد صدام،
إلى معارضة صدام،
إلى تبرير الميليشيات،
إلى الاصطفاف الصريح مع خطاب النفوذ الإيراني.
أي قناعة هذه التي تتبدل دائماً مع تبدل الراعي؟
المشكلة لم تكن يوماً في تغيّر الرأي؛ فذلك حق إنساني. المشكلة في نكران المعروف، وفي التحوّل من أقصى اليمين إلى أقصى النقيض دون لحظة صدق واحدة مع الذات أو الجمهور. الأردن الذي آواه صار مجرد محطة منسية، والنظام الذي مجّده صار شتيمة، والميليشيا التي مزّقت البلد صارت “مقاومة”، والقصيدة… تحولت إلى منشور سياسي رخيص.
فالح حسون الدراجي ليس حالة فردية، بل مرآة لمرض أعمق في المشهد الثقافي العراقي: مثقف بلا ذاكرة، وكاتب بلا اعتذار، وشاعر بلا ضمير. وفي بلد دفع ثمن الكلمات دماءً وأعماراً، لم يعد العراقيون بحاجة إلى شعراء يتقنون تغيير الأقنعة، بل إلى من يملكون شجاعة الوقوف في وجه السلطة، لا التسابق إلى أحضانها.
التاريخ لا يرحم، والناس لا تنسى.
ومن جعل قلمه أجيراً، سيبقى – مهما تغيّرت العناوين – أجيراً.
من أشعاره منين طلعة الشمس مناك من العوجه









































