محلل سياسي:العراق دولة بلا سيادة في ظل الحكم الإيراني وارتفاع عدد فقراء البلد والعاطلين عن العمل

محلل سياسي:العراق دولة بلا سيادة في ظل الحكم الإيراني وارتفاع عدد فقراء البلد والعاطلين عن العمل
آخر تحديث:

 بغداد/ شبكة أخبار العراق- يرسم مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، غازي فيصل، صورة قاتمة للمشهد العراقي، يمزج فيها بين اضطراب السياسة، وعجز الدولة الاقتصادي، وانهيار البنى الاجتماعية، وصولا إلى أرقام صادمة عن البطالة والفقر واليتامى والعشوائيات. في حديثه الأخير، حذّر فيصل من أنّ المشهد السياسي “يمرّ بحالة اضطراب واضحة ويعاني من غياب الاستقرار”، نتيجة تراكم أزمات سياسية واقتصادية وأمنية عميقة، مؤكدا أنّ ما يجري لا يشبه أزمة عابرة بقدر ما يعكس “مسارا ممتدا من الفشل البنيوي” منذ أكثر من عقدين.يرى فيصل أنّ العراق يقف على حافة انسداد دستوري جديد، في ظل الخلافات بشأن انتخاب رئيس الجمهورية والاتفاق على رئيس الوزراء المقبل، محذّرا من أنّ أي خلل في انتخاب رئيس الجمهورية “سيقود حتما إلى تعطيل تكليف رئيس الوزراء والدخول في أزمة دستورية مفتوحة”. هذا التحذير يستدعي إلى الذاكرة أزمات سابقة، أبرزها أزمة 2021 – 2022 حين عجزت القوى السياسية لأشهر عن انتخاب رئيس وتشكيل حكومة، قبل التوصل بصعوبة إلى صيغة حكومة برئاسة محمد شياع السوداني، وسط انعدام ثقة عميق بين القوى المتنافسة.اليوم، ومع نتائج الانتخابات الأخيرة وما رافقها من صراع على الكتلة الأكبر وترتيب التحالفات، تجد البلاد نفسها مجددا أمام مشهد معقّد: كتلة حاكمة تسعى لتمديد نفوذها، قوى معارضة منقسمة، ضغط شارع ساخط، وتلويح متكرر من بعض الأطراف بخيارات الشارع أو المقاطعة أو التعطيل البرلماني، ما يجعل سيناريو “الفراغ الدستوري” خطرا حاضرا لا مجرد احتمال نظري.

في المحور الاقتصادي، يشير فيصل إلى “ارتفاع الديون، إشكاليات الموازنة، انخفاض أسعار النفط، وفشل الدولة في التحول من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي على مدى أكثر من 22 عاما”، معتبرا أنّ هذه العوامل تشكّل جوهر الأزمة البنيوية.الأرقام المتداولة في التقارير المحلية والدولية تعكس جانبا من هذا القلق؛ فالنقاش العام يدور حول نسب فقر مرتفعة، وتفاوت اجتماعي متسع، وغياب واضح لاستراتيجية تنويع حقيقية، في بلد يمتلك موارد طبيعية وبشرية كبيرة، لكنه ما يزال يعتمد على النفط بوصفه المصدر شبه الوحيد لإيرادات الموازنة.في المقابل، تبقى معدلات البطالة، ولا سيما بين الشباب، عند مستويات مقلقة، مع عجز واضح في استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، وضعف مواضع النمو الإنتاجي في الصناعة والزراعة والخدمات المتقدمة، ما يحوّل الوفرة السكانية الشابة من فرصة محتملة إلى عبء ضاغط على الدولة والمجتمع.

إلى جانب ذلك، يربط فيصل بين هذه الاختلالات الاقتصادية وبين “التأثيرات المباشرة للأزمة العميقة في العلاقات الإيرانية مع الولايات المتحدة ودول المنطقة، وانعكاسات حرب تشرين / أكتوبر على الأوضاع الداخلية العراقية”، حيث يجد العراق نفسه في قلب تجاذب اقتصادي – مالي: عقوبات وضغوط على طهران، تباطؤ في تدفق الغاز والطاقة، تقلبات في أسعار النفط، وخشية دائمة من اهتزاز الأسواق العالمية، وكل ذلك يضغط على موازنة تعتمد بشكل شبه كامل على إيرادات النفط الخام.

إحدى أخطر النقاط التي يشير إليها فيصل تتمثل في ملف الفصائل المسلحة، الذي يصفه بأنه “من أبرز الإشكاليات”، موضحا أنّ بعض هذه الفصائل، ولا سيما المرتبطة استراتيجيا بالحرس الثوري الإيراني والمتبنية لولاية الفقيه، “ترفض التخلي عن السلاح أو التحول نحو الاعتراف بدولة مدنية ديمقراطية قائمة على احترام الدستور، بعيدا عن العقائد الثيوقراطية للدولة الدينية”.بهذا المعنى، تبدو الأزمة مزدوجة: من جهة، نظام سياسي عاجز عن فرض قواعد احتكار السلاح الشرعي، ومن جهة أخرى فصائل ترى نفسها جزءا من “محور إقليمي” أوسع، وتتعامل مع العراق كحلقة في شبكة نفوذ تتجاوز الحدود الوطنية، ما ينعكس توترا مزمنا في علاقة الدولة بمؤسساتها الأمنية والعسكرية، ويضعف ثقة المواطن بقدرة الدولة على حماية أمنه من موقع سيادي واحد لا من ساحات نفوذ متعددة.

فيصل يشير كذلك إلى أنّ المرجعية الدينية في النجف “عبّرت في أكثر من مناسبة عن عدم رضاها عن إعادة تدوير الوجوه السياسية التي جُرّبت سابقا ولم تنجح في تحقيق الأمن والاستقرار أو بناء دولة حيادية قادرة على اعتماد استراتيجية اقتصادية تضمن التنمية المستدامة”.هذا الموقف يعيد التذكير بخطب سابقة انتقدت تفشي الفساد، وفشل الحكومات المتعاقبة في توفير الخدمات ومكافحة المحسوبيات، ودعت إلى اختيار وجوه “كفوءة، نزيهة، مخلصة للوطن” بدل إنتاج نفس النخبة التي أدارت الدولة خلال العقود الماضية من دون إنجازات توازي حجم الموارد المتاحة. هذه الهوة بين المرجعية والطبقة السياسية الحاكمة تعمّق أزمة الشرعية، إذ يبدو أنّ الشارع والمرجعية يتحركان في اتجاه، بينما يتحرك جزء كبير من النخبة الحزبية في اتجاه آخر.

في محور الموارد والبيئة، يلفت فيصل إلى “فشل واضح في إدارة ملف الموارد المائية، وتراجعا كبيرا في القطاع الزراعي”، مشيرا إلى أنّ العراق “ما يزال يستورد نحو 92 في المئة من غذائه من الخارج، خصوصا من إيران وتركيا”، فضلا عن الأزمات المتعلقة بالأهوار والثروة الحيوانية.تراجع مناسيب الأنهار، وتكرار أزمات الجفاف، واتساع مساحات التصحر، وتآكل الرقعة الزراعية المنتجة، كلها عوامل تراكمت فوق بعضها، في ظل إدارة مرتبكة للملف التفاوضي مع دول المنبع، وضعف بنيوي في البنى التحتية الإروائية، وفساد يلاحق الكثير من مشاريع السدود والقناطر وشبكات الري. النتيجة أنّ الأمن الغذائي أصبح مرتهنا للاستيراد، وأن أي خلل طارئ في الإمدادات أو الأسعار يتحول بسرعة إلى ضغط معيشـي على ملايين العراقيين.

أكثر ما يلفت في حديث فيصل هو الأرقام التي يوردها عن الواقع الاجتماعي: “معدلات بطالة تجاوزت 12 مليون شخص، وأمية بأرقام مماثلة، نحو 6 ملايين يتيم، مليوني أرملة، أكثر من 11 مليون شخص تحت خط الفقر، وقرابة 4 ملايين مواطن يعيشون في مدن عشوائية”، وهي أرقام تعكس – في قراءته – “حجم الكارثة الاجتماعية والإنسانية” التي يمر بها العراق.إلى جانب هذه الصورة، تشي المعطيات الميدانية بحضور واسع للعشوائيات والتجمعات السكنية غير المخططة، التي تفتقر في كثير من الأحيان إلى الخدمات الأساسية وشبكات الصرف الصحي والكهرباء النظامية، وتحتضن شرائح واسعة من الفقراء والعاطلين عن العمل والنازحين والعمالة غير المنتظمة، ما يحولها إلى بيئات هشّة أمنيا واجتماعيا، وسهلة الاختراق من شبكات الجريمة والمخدرات والتطرّف.هذه الأرقام، سواء تلك التي يوردها فيصل أو ما تعكسه التقديرات الرسمية وغير الرسمية، تتخذ بعدا أكثر خطورة حين تُقرأ على ضوء الزيادة السكانية السريعة، وغلبة الفئات العمرية الشابة، وحاجتها إلى تعليم وفرص عمل وخدمات صحية وسكن كريم؛ وهي متطلبات تبدو الدولة عاجزة عن تلبيتها بالحد الأدنى في ظل المعطيات الحالية.

في خاتمة قراءته، يؤكد غازي فيصل أنّ “المشهد السياسي المضطرب هو سبب ونتيجة في الوقت ذاته لهذه الأوضاع الخطيرة”، بمعنى أنّ الطبقة السياسية التي عجزت عن بناء مؤسسات قوية واقتصاد منتج ومجتمع متماسك، تواجه اليوم ارتدادات هذا الفشل على شكل بطالة وفقر وعشوائيات وتصدع اجتماعي، بينما تغذّي هذه الأزمات بدورها مزيدا من عدم الاستقرار السياسي والأمني.بهذه الزاوية، لا يبدو العراق أمام “ملف واحد” قابل للحل عبر تسوية سياسية أو تغيير حكومي فقط، بل أمام شبكة متداخلة من الأزمات: نظام سياسي مأزوم، اقتصاد ريعي هش، سلاح خارج الدولة، بيئة متدهورة، مجتمع ينزف فقرا وبطالة وأمّية. ما لم تُقارب هذه العناصر كمنظومة واحدة في مشروع إصلاح حقيقي، فإنّ الأرقام التي يطرحها الخبراء، مهما بدت صادمة، قد تكون مجرد ملامح أولية لأزمة أوسع لم تكتمل فصولها بعد.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *