وهم الحماية الأمريكية: قراءة في مصائر حلفاء الكُرد من بغداد إلى دمشق

وهم الحماية الأمريكية: قراءة في مصائر حلفاء الكُرد من بغداد إلى دمشق
آخر تحديث:

بقلم:د. نوري حسين نور الهاشمي

في إحدى لحظات الصدق النادرة في الخطاب السياسي العربي، أطلق الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك عبارته الشهيرة: «المتغطي بأمريكا عريان» . لم تكن هذه الجملة اكتشافًا سياسيًا طارئًا، بقدر ما كانت خلاصة مكثفة لتجربة تاريخية طويلة مع السياسة الأمريكية؛ تجربة يدرك أبعادها كل من راقب سلوك واشنطن في علاقاتها الدولية، حيث تتأرجح التحالفات بين النقيضين، وتُستبدل الصداقات بالعداوات دون حرج أو التزام أخلاقي، وفق ميزان واحد لا يعترف إلا بالمصلحة الأمريكية المجرّدة، التي تَحوّلت في عهد ترامب إلى شعار رسمي: «أمريكا أولًا» .
فالولايات المتحدة، في رؤيتها للعالم، لا ترى سوى ذاتها ومشروعها وهيمنتها، وما عدا ذلك قابل للتبدّل والانقلاب متى ما اقتضت الضرورة. أما تحالفاتها العابرة للبحار، فهي ليست روابط قيمية ولا التزامات استراتيجية ثابتة، بل أدوات مؤقتة تُستخدم بقدر ما تحقق أهداف واشنطن، ثم يُستغنى عنها بلا تردد عندما تنتفي الحاجة. غير أن هذه السياسة، على اتساعها، ليست مطلقة تمامًا، إذ يخضع جزء جوهري منها لقيد صارم تفرضه تل أبيب؛ فالعلاقات الأمريكية في الشرق الأوسط، على وجه الخصوص، تمر عبر بوابة المصلحة الإسرائيلية: ما توافق عليه تل أبيب يُنفّذ أمريكيًا، وما تعترض عليه يُعاد النظر فيه أو يُجهض بالكامل.
وقد جاءت أحداث غزة، ولا سيما ما أعقب «طوفان الأقصى»، لتسحب الصورة الأمريكية من قاع التعتيم السياسي وتجعلها طافية على السطح، قابلة للقراءة والتحليل دون أقنعة. هناك انكشفت حدود الخطاب الأمريكي عن حقوق الإنسان والديمقراطية، وتبدّى الانحياز الفجّ، لا بوصفه موقفًا ظرفيًا أو انفعالًا عابرًا، بل كجزء بنيوي ثابت من الاستراتيجية الأمريكية المرتبطة عضويًا بأمن إسرائيل وتفوّقها.
وخلال القرن الحادي والعشرين، قدّمت واشنطن شواهد لا تُحصى على طبيعة علاقتها بحلفائها، حين تخلّت عن شخصيات وأنظمة كانت تُصنّفها يومًا ضمن «الحلفاء الاستراتيجيين». تخلّت عن صدام حسين بعد استنفاد دوره في توازنات إقليمية معقّدة، ثم عن معمر القذافي، وعن زين العابدين بن علي، وعن علي عبد الله صالح، وعن محمد حسني مبارك نفسه، وغيرهم كثيرون حول العالم. ولم يكن القاسم المشترك بينهم أخطاءهم الداخلية فحسب، بل انتهاء صلاحيتهم الوظيفية في الحسابات الأمريكية.
ومن هذا المنطلق، لا يبدو الحديث اليوم عن تخلي الولايات المتحدة عن قوات سوريا الديمقراطية «قسد» أمرًا مفاجئًا أو خارج السياق. فالذين يقدّمون هذا التخلي بوصفه صدمة سياسية، لا يضيفون جديدًا للتحليل، بقدر ما يكشف خطابهم عن خلل بنيوي في فهم الاستراتيجية الأمريكية، ومن ورائها الاستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة. فقد أدركت واشنطن، في مرحلة معينة، أن أي مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران ستكون إسرائيل فيها الطرف الأكثر تضررًا، وأن مثل هذه الحرب لن تحقق الهدف الأمريكي المعلن، بل قد تفتح أبواب فوضى غير محسوبة العواقب.
وأمام هذا الإدراك، جرى الانتقال إلى الخطة البديلة: حروب الاستنزاف غير المباشرة، عبر إعادة تدوير الجماعات المتطرفة، وفي مقدمتها تنظيمات تقودها شخصيات إرهابية مثل الجولاني، ضمن أطر قيادة موحّدة، لإشعال مسارات صراع تمتد من سوريا والعراق باتجاه استنزاف إيران. وفي هذا السياق، بات على قوى محلية، ومنها بعض التشكيلات الكردية، الانخراط في هذه الاستراتيجية، وهو ما يفسّر انسحاب قوات «قسد» من مناطق سيطرتها دون قتال يُذكر، فضلًا عن إطلاق سراح عناصر من تنظيم داعش المحتجزين في معسكراتها، في مشهد لا يمكن فصله عن إعادة ترتيب الأوراق إقليميًا.
غير أن الإشكال الأعمق لا يكمن فقط في تقلّب المواقف الأمريكية، بل في نمط التفكير السياسي الذي تنتهجه بعض النخب الكردية في أكثر من ساحة. فثمة فلسفة سياسية واحدة تكاد تحكم سلوك هذه النخب في علاقتها مع محيطها، فلسفة مغلّفة بخطاب قومي، لكنها مشبعة بنزعة انتهازية تقوم على التكيّف مع الطرف الأقوى، والانقضاض عليه فور ظهور ملامح ضعفه.
تجلّى هذا السلوك في محطات تاريخية عديدة: من تجربة جمهورية مهاباد، إلى ما بعد حرب الكويت، إلى مرحلة ما بعد 2003، وصولًا إلى استغلال الهجمة الداعشية لتوسيع النفوذ وفرض وقائع ميدانية خارج إطار الدولة. كما ظهر في الدعوات الانفصالية، وفي ممارسات سياسية وإدارية عمّقت الانقسام، وأضعفت الثقة، وكرّست إدارة الإقليم بوصفه نفوذًا عائليًا أكثر منه كيانًا مؤسسيًا ديمقراطيًا.
ورغم احترامنا العميق للشعب الكردي وتضحياته، فإن الأسف كبير على ممارسات بعض ساسته الذين أساءوا إلى قضية عادلة، وحوّلوها إلى ورقة تفاوض ظرفية. وكان من أحدث تجليات ذلك رسائل الشكر التي وُجّهت إلى شخصيات مرتبطة بتنظيمات إرهابية، في مشهد يختزل عمق الأزمة السياسية والفكرية التي تعانيها هذه النخب.
لقد سنحت للساسة الكرد فرصة تاريخية في العراق لم تتح لبقية أكراد المنطقة، لكنهم فشلوا في تحويل هذه الفرصة إلى نموذج ناجح للحكم الرشيد والشراكة الوطنية. فالإقليم بقي منقسمًا، والإدارة مأزومة، والثقة مع المركز متآكلة، رغم محاولات بغداد المتكررة للحفاظ على التوازن وحماية الاستقرار. غير أن هذا الصبر ليس مفتوحًا بلا حدود، فالدولة، في نهاية المطاف، ستفرض سيادتها وتطبيق الدستور على كامل أراضيها، مع ضمان الحقوق الدستورية للإقليم دون انتقاص أو تجاوز.
إن المأساة هنا لا تكمن فقط في تخلي أمريكا عن حلفائها، بل في الارتهان المزمن لوهم الحماية الخارجية، وفي تكرار أخطاء سياسية ثبت أن ثمنها يُدفع من رصيد الشعوب لا من حسابات الساسة. وقد أثبتت التجربة أن الولايات المتحدة لا تحمي الأقليات ولا تدعم تقرير المصير إلا بقدر ما يخدم مصالحها، وما إن تتغير المعادلات حتى تُسحب المظلّة، ويُترك الحليف وحيدًا في مواجهة واقع قاسٍ.
في المحصلة، لا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح إذا بُني على سوء قراءة للتاريخ والجغرافيا وموازين القوى. ومن يتجاوز الداخل لصالح الخارج، سيكتشف متأخرًا أن التحالفات العابرة لا تصنع وطنًا، ولا تحمي قضية. تلك هي الحقيقة التي لخّصها مبارك بعبارة بدت بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في دلالاتها:
من يتغطّى بأمريكا، يظل مكشوفًا عند أول عاصفة.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *