بين المحمود والسيستاني .. أنا ابن الصادقين

بين المحمود والسيستاني .. أنا ابن الصادقين
آخر تحديث:

 علي الابراهيمي 

القضاء العراقي كان ضحية المنظومات السياسية المشوهة في تاريخ السلطة ، وقد لعب دورا خطيرا في تنفيذ إرادات الأنظمة القمعية المتتالية ، ويمكن عدّ العراق من البلدان الفاقدة واقعا لاستقلالية السلطة القضائية ، لانها كانت جزءا من لعبة تغيير المفاهيم والديموغرافيا البريطانية في الشرق الأوسط . 

والحديث عن واقع القضاء في العراق يحتاج الى مجلدات ومجلدات ، وكذلك سيل من الدموع عند استذكار الدماء الطاهرة التي سالت بسيف القضاء العراقي المنفّذ للارادة القمعية منذ ١٩٢٠ ، الا ما شذّ وندر لأسباب شخصية وتربوية .لذلك ساقتصر في مقالتي هذه على موقف مستجد ، لشخصية قضائية تمثّل خلاصة النظام القضائي المشوّه في العراق ، وقد تمت صناعتها وفق فكر النظام البعثي الملحد والفوضوي ، وذلك الموقف هو التصريح الذي ادلى به ( مدحت المحمود ) بعد لقائه بمجموعة نسوية تدعو الى نشر الفكر العلماني في هذا البلد المسلم ، حيث قال ما مضمونه ( انّ منح حقّ إبرام عقد الزواج لمأذون شرعي خطّ احمر وتعدّي على السلطة القضائية ) .وهذا الموقف – وان كان غريبا ومستهجنا وفيه تحيّز سياسي وفكري واضح لا يتناسب مع دور السلطة القضائية ومهام القاضي – الا انه متوقع من شخصية كشخصية المحمود .

فالرجل تمّ اختياره كقاضٍ – بعد ان كان محققا عدليا – مع قدوم ماكنة الظلم والظلام البعثية عام ١٩٦٨ . وليست تلك مصادفة زمانية ، بل كان احد الشخصيات ذات الجلد المتلون المناسب للمشروع البعثي القائم على تغيير كافة المنظومة الاجتماعية والأخلاقية والفكرية والسياسية في العراق ، واعتماد المبادئ اللادينية الإلحادية لاحقا . ثم استلم مهام دائرة التنفيذ عام ١٩٨٠ ، مع بدء الحرب العراقية الإيرانية ، وهياج منظومة القمع البعثية الصدامية ضد كل ما هو ديني . ثم عضوا في مجلس شورى الدولة للمنظومة العشائرية العائلية الصدامية ، والذي هيأ لهذه العائلة المتخلفة كل الأسباب القانونية لابتلاع العراق وثروته . وكذلك رئيسا لمحكمة القضاء الاداري ، التي كانت تنظر ظلامات الموظفين والعاملين العراقيين ، لكنها تحكم لصالح ظالمينهم من شذاذ البعث والبداوة . ليعمل عام ١٩٩٥ وبأمر من وزير العدل الصدامي – ولا اعلم اي عدل في تلك الفترة التي شهدت الإبادات الجماعية لابناء وسط وجنوب العراق بعد انتهاء الانتفاضة الشعبانية وبدء مرحلة تصفية الحسابات – في الدائرة القانونية لديوان الرئاسة الصدامي . ثم قاضٍ في محكمة التمييز التي تمّ على يديها ما تمّ من هدر كرامة العراقيين . وأخيرا قبل سقوط النظام القمعي الصدامي عمل رئيسا لمجلس شورى الدولة .

 كل هذه المراكز الوظيفية الكبرى في ذلك العصر الأسود لم تكن تُنال الا بالدم والقمع والتملّق كما عشنا وشهدنا واقعها ، ولن يكون وضع مدحت المحمود بدعا من ذلك . وقد عمل ضمن المنظومة القضائية التي خضعت لقوانين التخلف والالحاد الصدامية ، ببداوتها وعشوائيتها ، تحت شعار صدام المشهور ( عبد سوّيلهم قانون ) ! ، ولا اعرف اي قانون سينتج عن عقل ( عبد حمود ) المتخلف والدموي . لذلك كان مدحت المحمود من اهم العناصر القضائية التي ساهمت في كتابة وتقنين أفكار ( منال يونس ) للأحوال الشخصية ، وهي تلك المرأة الصدامية المعروفة بكل صفة رديئة . وهي قوانين تمّ فرضها بالقوة والقمع ، ومن ثم اكراه الناس للاحتكام اليها . وكان جزءا من مهام أمثال المحمود نشر الفكر المناصر لها بين الناس .

 لذلك كان من المتوقع والمنطقي بعد احتلال العراق من قبل التحالف الامريكي انتداب المحمود للاشراف على وزارة العدل والسلطة القضائية ، لانه يمتلك ذلك الجلد المتلون المناسب للرغبات الامريكية ، كما انه يملك التاريخ المتوافق مع العقلية الامريكية للمستخدمين . لذلك كان المحمود لا يتحرج من نشر صوره – وهو يجالس الجنود الأمريكان – وبيده كؤوس الخمر رغم ان بلده محتل ومستباح من قبلهم .

 ومن هنا تمّ تعيين مدحت المحمود عام ٢٠٠٣ على رأس السلطات القضائية والعدلية بأمر من سلطات الاحتلال . وكان ذلك دون الرجوع الى السلطات العراقية ، ولمدة سنتين ، حتى تمّ فرضه على أمّعات السياسة العراقية في عام ٢٠٠٥ ، ليتم إصدار مرسوم جمهوري بتعيينه على رئيسا لمجلس القضاء الأعلى وكذلك رئيسا للمحكمة الاتحادية .

 ووفقا لهذه السيرة والنشأة ضمن الأجواء الدكتاتورية لم نكن نعجب حين استحوذ مدحت المحمود على ثلاثة مناصب كبيرة في آن واحد ، وبقي يديرها لفترة طويلة نسبيا ، في مخالفة للقانون وفلسفته ، وفي قفز على اليات الادارة المنضبطة والحديثة . ولا نعجب اذا ما تجاوز ايضا المحمود السن القانوني وظلّ متمسكا بمناصبه ، فهو الابن الشرعي لنظام كان يؤمن بالشمولية والاستحواذ . لذلك تمّ شموله بقرارات هيئة المساءلة والعدالة ، وتقرّر اجتثاثه ، لكن – كما هو متوقع – كان يحمل سندا أمريكيا وبعثيا للبقاء .

 ولو تجاوزنا كل ذلك التاريخ المشؤوم للمحمود ومنظومته ، اخذنا تصريحه هذا من الناحية الدستورية ومن ناحية الفلسفة القانونية ، سنجد انه مخالف للدستور ، كما انه يفتقر الى قراءة واقعية للمجتمع العراقي وبالتالي ما يناسبه من فلسفة يقوم عليها القانون . ان الدستور العراقي قد احال تنظيم قوانين الأحوال الشخصية لكل طائفة لما يناسب معتقداتها ، واخضع ذلك لرغبة وخيار الشعب ذاته ، ضمن المواد الآتية : 

المادة ٤١ – ( العراقيون احرار في الالتزام بأحوالهم الشخصية حسب دياناتهم او مذاهبهم او معتقداتهم او اختياراتهم ، وينظّم ذلك بقانون ) .

 المادة ٤٢ – ( لكل فرد حرية الفكر والضمير والعقيدة ) .

 المادة ٤٣ – ( اتباع كل دين او مذهب احرار في : أ – ممارسة الشعائر الدينية … ) .

 المادة ٤٥ – ( ثانيا – تحرص الدولة على النهوض بالقبائل والعشائر العراقية ، وتهتم بشؤونها بما ينسجم مع الدين والقانون … ) .

 لذلك كان تصريح مدحت المحمود – غير الموفق والاستفزازي – مخالفة صريحة للدستور ، وتضييقا واضحا ومتحيّزا للحريات والحقوق .ومن جهة الفلسفة التي يقوم عليها القانون ، فكان الاجدى التساؤل عن سبب ذهاب الملايين – بل الأغلبية الساحقة من العراقيين – لإجراء عقد الزواج خارج المحاكم القائمة ، ولماذا لا تكتفي هذه الملايين باجراءات المحاكم ، لعلم حينها المحمود ومنظومته التغريبيّة الشاذّة ان الشعب العراقي المؤمن يعتبر كل القوانين التي كتبها المحمود في الأحوال الشخصية باطلة ، ويراها تخالف حكم الله ، ولا يمكن الاعتماد عليها . لذلك يجب على المحمود التزام الفلسفة التي يؤمن بها غالبية الشعب العراقي ، لا فلسفة منال يونس وهناء أدور . 

وقد اطلق مدحت المحمود تصريحه هذا بعد لقائه بمجموعة صغيرة من النسوة الداعيات الى العلمانية ، بقيادة ( هناء أدور ) ، وهي المعروفة بمعاداتها للقيم الدينية عموما ، والإسلامية خصوصا . كما أولاء النسوة بعيدات كل البعد عن نتائج وخيارات المشهد السياسي العراقي ، وهنّ لا يشكّلن قطرة في بحر النساء المؤمنات الداعيات الى حكم الله وضروة احترام معتقداتهن . لكن يبدو ان المحمود ليس اكثر من سياسي متحيّز ، لا يصلح لإدارة سلطة مستقلة حكمية .كما ان ابداء الرأي حول القوانين النافذة ونوعيتها وتشريعها ليس من صلاحيات او اختصاصات المحمود ، فهو رئيس جهاز واجبه تنفيذ القوانين – مهما كانت – لا تشريعها .لكن يبدو واضحا ان المحمود وأدور وكل هذه المنظومة هي وليدة عصر الفوضى والبداوة وانهيار القيم ، والدليل انهم يتحدثون في قانون يدركون انه لا يستند الى فلسفة فكرية او قيمية واضحة ومفهومة . ومثال ذلك : 

( ان الأب ملزم بالنفقة على ابنائه ، في حالة طلاقه لزوجته ، مع امر المحكمة بوجوب منح حضانة الأبناء للامّ ، وحرمان الأب من ذلك ، حتى وان كانت الامّ موسرة وذات مرتب شهري يساوي او يفوق راتب الأب ) ..وهذه المنظومة القانونية الجائرة تحمل عدة نقاط ضعف خطيرة وواضحة ، فهي اولا تخالف المعتقدات الدينية للمجتمع العراقي وتخالف تعاليم الاسلام ، كما انها تتنافى ومبدأ المساواة بين الرجل والمرأة الذي تنادي به ( هناء أدور ) ومنظومتها الضبابية ، حيث تفرض على الرجل ما لا تفرضه على المرأة ، فيما تمنح الثانية ما لا تمنحه للأول ، وهذا انتهاك واضح لحقوق الانسان ومشاعر وحاجات وضرورات الرجل الأب . وبالتالي لا تقوم هذه المنظومة القانونية على فلسفة عقلية او دينية واضحة ، لكن يبدو انها وضعت بصورة عشوائية لمعارضة النظم الدينية فقط .

 وربما تظنّ بعض النساء انّ هكذا قوانين هي في صالح المرأة ، لكن عند الإمعان فيها وفي نتائجها سترى انها وقعت في عملية خداع ونصب كبيرة ، هدفها ايذاء والاساءة للمرأة العراقية المسلمة . فهذه القوانين تريد تقييد حرية المرأة ، ومنعها من الارتباط والزواج مرة اخرى ، حيث تثقل كاهلها بمجموعة من الأبناء ، يكونون سببا وعائقا كبيرا امام أية فرصة للزواج الثاني ، وهذا ما يبحث عنه واضعو هذه القوانين ، لعلمهم بحاجات المرأة النفسية والعاطفية والغريزية ، وشدّتها ، ومن هنا فهم يؤسسون لمشروع امرإة مضطربة او منحرفة . كما انّ هذه القوانين كفيلة بعزل شبه تام لدور الأب – المهم – في حياة ابنائه ، وهو ما يؤسس لمشروع شباب يعانون الضياع ويفتقدون الى دور الحزم في تربيتهم ونشأتهم . اما الابّ فيبقى مشدودا ومثقلا بمسؤوليته التي تمّ حرمانه من ادائها عبر قوانين جائرة ، وسيفكّر الف مرة قبل اجراء عقد زواج اخر ، بل ربما سيفضّل العلاقات المشبوهة الاسهل ، اذا أضفنا باقي منظومة قوانين المحمود للأحوال الشخصية . وهذا كلّه كان في ذهن واضعي هذه القوانين – المخالفة للسماء – وأكثر . وانا لا الوم المحمود ومنظومة التغريب والتخريب هذه ، فهم قد وجدوا أنفسهم شيئا بعد غياب عوامل الردع عن ذهنهم ، حيث تركت المؤسسة الدينية واجبها ، في سنّ قوانين الله ، لا سيما مع توفّر فرصة ذلك دستوريا وشعبيا ، ببركة دماء المؤمنين من أبناء الشعب العراقي الموالين . ولمّا كانت المؤسسة الدينية – رغما عنّا – تم اختزالها بمرجعية عليا ، فكان على هذه المرجعية العليا إخراس المحمود وتعريفه حدوده ، وبيان الخطوط الحمراء – بدماء شهدائنا – للشريعة المحمدية العلوية .خصوصا ان السياسيين الإسلامويين العراقيين – وبالأخص الشيعة منهم هنا – قد اثبتوا انهم لا علاقة لهم بحكم الله ، وليس لديهم أدنى ارتباط بجعفر بن محمد الصادق ، الا ( قدر الهريس ) .ولاننا نعلم ان السيد ( السيستاني ) ليس له مواقف مشهودة شخصا ، ولا يتحدث اعلاميا – لأسباب لا زالت مجهولة – ، وأنّ وكلائه ومعتمديه هم من يديرون قرارات مؤسسته ومكتبه ، فكنّا ننتظر من وكيليه – التلفازيين – الشيخ عبد المهدي الكربلائي والسيد احمد الصافي ان يلجموا أمثال المحمود وأدور .لكن من الواضح جدا ان هناء أدور كانت اكثر حركيّة وفاعلية في نشر افكارها وعقائدها من الكربلائي والصافي ، وان مدحت المحمود كان اكثر جرأة وتحديا وسرعة من المرجعية العليا . وهنا اعجب كثيرا من الغفلة التي اصابت هذه المؤسسة التي تمثّل الملايين من ضحايا البعث والاحتلال ، عن مثل المحمود وشركاءه ، من بقايا النظام العفلقي البعثي ، وصنائع الاحتلال الامريكي .ولا افهم كيف يرضى غيور ما ان يعتلي أمثال المحمود سدّة السلطة القضائية ، التي يُفترض انها العادلة ، رغم أنف الضحايا ! .لسنا كنّا نحمل السلاح ضد هؤلاء ذاتهم ؟! ، الم نكن نعلن الثورة رفضا لقوانينهم وافكارهم الشمولية والقمعية والغريبة ؟! ، أليس كان مطلبنا حاكمية الله وفقه جعفر بن محمد الصادق ؟! .ربما ان تشابه الصافي والكربلائي والمحمود جميعا في تجاوزهم للمدة القانونية لمناصبهم يكون شفيعا مشتركا للتغاضي عمّا يبدر من او عن الاخر .ليس الرد المناسب على المحمود اليوم سوى اعلان المرجع السيستاني نصرته لعقيدة الشعب العراقي ، في إيمانه بشريعة الاسلام المحمدية ، الواردة عن طريق جعفر بن محمد الصادق ، ومطالبته بسنّ قانون الأحوال الشخصية بما يكفل احترام حقوق الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب العراقي ، التي تُجري دمائها انهارا ، دفاعا عن المرجعية ومنصب المحمود .وإلا فالاولى للمرجعية وكل مؤسساتها ووكلائها احترام تاريخ العراق الشهيد ، المؤمن ، الموالي ، الثائر ، وترك السواد الى أهله .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *