الحكم الإطاري الفاسد الفاشل حول البلد إلى (جمهورية الفقراء)
آخر تحديث:
بغداد/ شبكة أخبار العراق- في مدن العراق اليوم، من أطراف بغداد إلى مراكز المحافظات، تكفي جولة قصيرة في أي شارع مزدحم لتكتشف أنّ جزءًا كبيرًا من الاقتصاد انتقل فعليًا من المحال النظامية إلى الأرصفة. عربات طعام، وبسطات ملابس، وسجائر، وفواكه وخضار، وأدوات منزلية، وخدمات بسيطة، تصنع مشهدًا يبدو عفويًا، لكنّه في الحقيقة نظام حياة كامل لعشرات الآلاف من العوائل التي دفعتها البطالة وغلاء المعيشة إلى تحويل الرصيف إلى مكان عمل دائم، من دون أي حماية قانونية أو صحية أو اجتماعية.
أغلب أصحاب البسطات ليسوا هواة فوضى ولا “عشّاق رصيف”، بل أناس انقطعت بهم السبل؛ خريج لم يجد وظيفة، وموظف لا يكفيه راتبه حتى منتصف الشهر، ونازح فقد بيته ومصدر رزقه، وربّ أسرة اكتشف أنّ عربة صغيرة أمام سوق شعبي أسرع من انتظار تعيين لا يأتي. الدولة تتحدّث في خطابها عن “شبكات حماية اجتماعية” ورواتب رعاية ومشاريع تمكين للفئات الهشّة، لكنّ كثيرين من هؤلاء إمّا لم تصلهم أي مساعدة أصلًا، أو وصلتهم مبالغ لا تواكب موجات الغلاء، فيجدون في البسطة وسيلة للهروب من الاستدانة الدائمة، وطريقة لتشغيل الأبناء بدل بقائهم عاطلين، وشبكة أمان بديلة عندما يتأخر الراتب أو يختفي الدعم.
بهذا المعنى، تبدو “جمهورية البسطات” جمهورية الفقراء غير المرئيين، الذين تقف حياتهم كلّ يوم بين كفّتَي ميزان: إن باعوا أكلت العائلة، وإن لم يبيعوا لا يوجد بديل، فيبقون على هامش النظام الاقتصادي الرسمي، من دون تأمين اجتماعي أو ضمان صحي أو حماية قانونية حقيقية. بسبب الحكم الاطاري الفاشل الفاسد ذات التبعية الإيرانية
على الورق، تُرصد مليارات الدنانير سنويًا لملف الشؤون الاجتماعية والحماية والرعاية، وتُطلق شعارات عن دعم الأرامل والعاطلين عن العمل وذوي الدخل المحدود. لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت هذه المبالغ تُنفق كما ينبغي، فلماذا يتجه هذا العدد الهائل من الناس إلى الأرصفة؟ الطريق بين الموازنة وجيب الفقير مليء بالثغرات؛ من استهداف غير عادل يجعل عوائل تستلم أكثر من استحقاق بينما لا تُذكر عوائل أخرى في أي قاعدة بيانات، مرورًا بدور الوسطاء والمحسوبيات في اختيار المستفيدين وإدارة ملف المساعدات بعقلية الولاء السياسي أو العشائري أكثر من عقلية الحاجة الفعلية، وصولًا إلى غياب تقييم حقيقي يسأل: من خرج من دائرة الفقر فعلًا بعد كل هذه البرامج؟النتيجة أنّ جزءًا من أموال الشؤون الاجتماعية يذهب إلى من ليست لهم أولوية، بينما يُترك آخرون على الأرصفة بلا دعم، ثم تُفتح ملفاتهم فقط عندما تقرر الدولة إزالة بسطاتهم أو “تنظيم” الشارع بالقوّة. في تلك اللحظة، يظهر الفقير في الصورة هدفًا سهلًا لإبراز هيبة القانون، لكنه يغيب تمامًا عندما يتعلّق الأمر بتوزيع الدعم أو رسم السياسات.
ليست كلّ البسطات سواء. في قلب “جمهورية البسطات” توجد طبقة محمية؛ بسطات في مناطق راقية أو حيوية لا تقترب منها فرق البلدية أو الرقابة الصحية، لأنّ وراءها جهة حزبية أو شخصية نافذة أو جماعة مسلحة تفرض وجودها في المكان بحسب حديث الخبير في الشأن البيئي عادل المختار. هذه البسطات تتحوّل إلى علامة نفوذ أكثر منها مجرّد مصدر رزق، وتُستَخدم أحيانًا كغطاء لاستيفاء “جباية” من بقية الباعة أو لتثبيت الحضور في شارع أو ساحة معيّنة.في المقابل، يوجد بائع بسيط في حي شعبي لا سند له ولا غطاء، يمكن أن تُصادر عربته في أي حملة، أو يُفرض عليه دفع مبالغ مقابل السماح له بالوقوف. هنا يظهر وجه الفساد بوضوح؛ الرقابة لا تتحرّك حيث يجب أن تكون، بل حيث تستطيع فقط، والقانون يُطبَّق على الأضعف ويتوقف عند حدود الأقوى، فيُستنزف الفقير مرّتين: أمام غلاء الأسعار وغياب فرص العمل، وأمام الابتزاز والمخاطر الصحية في المكان الذي يعمل ويأكل منه الناس.
ملفّ التسمّم الغذائي، من اليوسفية وغيرها، يكشف أنّ الموضوع لم يعد “تشوّهًا بصريًا” أو مجرّد تجاوز بلدي. الأطعمة المكشوفة، والخزن العشوائي، وغياب الماء النظيف، واستخدام زيوت تالفة أو مكوّنات منتهية الصلاحية، جميعها تتحوّل بمرور الوقت إلى قنبلة صحية. في هذا السياق، يؤكّد المختار، أنّ “تزايد حالات التسمّم الغذائي في عدد من مناطق العاصمة بغداد وبعض المحافظات يرتبط مباشرة بالانتشار الواسع لبسطات وبائعي الأطعمة في الشوارع دون رقابة حقيقية من الجهات المعنية”، محذّرًا من أنّ “حالات التسمّم المسجّلة في المستشفيات ليست أرقامًا عابرة، بل مؤشرات على خلل عميق في منظومة الرقابة”.ويضيف المختار أنّ استمرار بيع الأطعمة المكشوفة من دون الالتزام بالشروط الصحّية أو الخضوع للفحص الدوري “يُعرّض حياة المواطنين، خصوصًا الأطفال وكبار السن، إلى مخاطر جسيمة”، متسائلًا: “إلى متى تبقى الشوارع مكتظّة ببائعي الطعام دون رقيب أو حسيب؟ وأين دور الجهات المعنية في فرض القانون على الجميع دون استثناء أو تمييز؟”. وعندما تكون بعض البسطات محميّة من جهات نافذة، لا يعود الحديث عن “رقابة صحية” بقدر ما يتحوّل إلى “ممنوع الاقتراب”، فتنتفي أبسط فكرة عن العدالة في حماية صحة الناس، وتتحوّل الأرصفة إلى بيئة مثالية للتسمّم والعدوى بدل أن تكون ملاذًا للرزق اليومي.
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه أمام هذا المشهد هو: لو كانت مليارات الشؤون الاجتماعية تُدار بعدالة وشفافية، ولو وُجد برنامج وطني حقيقي لدعم المشاريع الصغيرة، هل كان هذا العدد نفسه سيبقى على الأرصفة؟ بدل أن تبقى “جمهورية البسطات” علامة على فشل الدولة في حماية الفقير، يمكن أن تتحوّل إلى نموذج مختلف إذا جرى التعامل معها كقطاع يجب تنظيمه لا مطاردته فقط، من خلال تحويل جزء من أصحاب البسطات إلى مشاريع صغيرة مرخّصة عبر قروض ميسّرة، مربوطة بتدريب على السلامة الغذائية والإدارة البسيطة، وإقامة أسواق شعبية منظّمة فيها أماكن مخصّصة للبائعين مع خدمات نظافة ورقابة صحّية، وربط برامج الحماية الاجتماعية بواقع هؤلاء في الشارع، بحيث يصبح القرض أو الإعانة وسيلة للخروج من الفوضى، لا مجرّد دخل إضافي يُبقيهم في الدائرة نفسها.
بهذا الشكل، لا يعود صاحب البسطة “متجاوزًا” دائمًا ولا ضحية دائمة أيضًا، بل شريكًا صغيرًا في اقتصاد منظّم يخضع للرقابة مثل غيره، ويحصل بالمقابل على حماية قانونية واجتماعية وصحية. “جمهورية البسطات” ليست حالة طارئة يمكن إنهاؤها بحملة إزالة أو قرار سريع؛ إنّها مرآة لفقر متراكم وفساد يختار من يحميه ومن يتركه، ونظام رعاية اجتماعية ما يزال عاجزًا عن الوصول إلى من هم أحوج الناس. والسؤال الذي يبقى معلّقًا: هل تستمر الدولة في إدارة هذا الملف بسياسة غضّ الطرف والضربات الموسمية، أم تتعامل معه أخيرًا كجزء من أمنها الاجتماعي والصحي، فتحمي الفقراء من الجوع، وتحميهم في الوقت نفسه من أن يتحوّلوا إلى ضحايا تسمّم وعدوى في الطريق إلى لقمة العيش؟