الدور الإيراني في العراق.. التأثيرات والكوابح  

الدور الإيراني في العراق.. التأثيرات والكوابح   
آخر تحديث:

 د.مثنى العبيدي

فرض الدور الإيراني نفسه على الساحة العراقية، منذ مرحلة الاحتلال الأمريكي في عام 2003، حتى أصبح من غير الممكن الحديث عن التطورات السياسية والأمنية في هذا البلد، دون ذكر التأثير الإيراني فيها سواء بالسلب أو الإيجاب.

ولعل الموقف العراقي الأخير الرافض لحملة “عاصفة الحزم” العسكرية التي تقودها السعودية ضد الحوثيين في اليمن مثل، من وجهة نظر البعض، تكريسا لهذا الدور الإيراني الذي لم يكن ليتنامي إلا نتاجا لتغيرات في موازين القوى الداخلية العراقية، وكذا الإقليمية والدولية في المنطقة.

وتبدو المرحلة الحالية الأكثر أهمية بالنسبة للدور الإيراني في العراق، لاسيما في تفاقم الأزمة الأمنية، إثر سيطرة  “تنظيم الدولة الإسلامية” المعروف بـ” داعش” على عدة مدن في محافظات وسط وشمال العراق، ومنها في مناطق محاذية للحدود العراقية – الإيرانية، فكانت هذه الأزمة بمنزلة فرصة وتحد لإيران ودورها في العراق.

دوافع الدور الإيراني

هنالك عدة دوافع أدت بإيران إلى الدخول كأحد الأطراف الأساسية في تطورات الساحة العراقية، ومن أبرزها:

– البحث عن متنفس إقليمي، حيث توجه الحكومة الإيرانية سياستها للتصعيد في العراق، كجزء من سياسة البحث عن متنفس، بسبب ما تمر به من تناقضات داخلية متأتية من الوضع الاقتصادي المتراجع، والصراعات المتكررة على مراكز النفوذ بين أجنحة النظام الإيراني، لاسيما أن الأزمة الأمنية العراقية رفعت مستويات التخوف من امتدادها إلى داخل إيران.

– البعد العقائدي المذهبي، حيث استند الدور الإيراني في العراق إلى البعد العقائدي المذهبي في تدخله إلى جانب الحكومة العراقية في حربها ضد “تنظيم الدولة الإسلامية”، بحجة حماية الأماكن والمزارات الدينية الشيعية في العراق، والزوار الإيرانيين الوافدين إليها، وهو ما أوجبته الفتاوى التي أطلقتها المرجعية الدينية – الشيعية فيما يسمى بـــــ “الجهاد الكفائي”.

– توظيف الحرب على الإرهاب، إذ إن ثمة رغبة إيرانية فى استغلال الحرب الدولية على الجماعات السنية المسلحة لترسيخ نفوذها في العراق، وتغيير صورتها من متهمة بدعم الإرهاب إلى شريك في محاربته.

– منصة انطلاق استراتيجي للإقليم، إذ إن ثمة مصلحة استراتيجية إيرانية ترى في العراق منطلقاً مهماً للتوغل الإيراني في باقي دول المنطقة، سواء باتجاه سوريا، أو لبنان، والأردن ودول الخليج.

– تصاعد التحدي الأمني للحكومة العراقية، ففي ظل عدم قدرة حكومة العراق على مواجهة “داعش” عند سيطرته على أجزاء واسعة من البلاد، وتأخر الولايات المتحدة والدول العربية في مساعدة حكومة بغداد لمواجهة هذا التنظيم، استغلت إيران حاجة العراق والأوضاع التي يمر بها، فقدمت السلاح، والذخيرة، والدعم العسكري للقوات العراقية قبل غيرها من الدول لتعزيز دورها في العراق.

– طبيعة السياسة الأمريكية تجاه العراق، حيث شجعت سياسة إدارة باراك أوباما الدور الإيراني على ممارسة تأثيرات في التوازنات الداخلية العراقية. فبالرغم من عدم مشاركة إيران رسمياً في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب الذي تقوده واشنطن، فإن الإدارة الأمريكية رحبت بالدور الإيراني في العراق، مما يعني منح طهران الضوء الأخضر لتأدية دورها في العراق .

– البيئة العراقية، سواء السياسية، أو الاجتماعية، أو الاقتصادية، أو الأمنية، توفر الأرض الخصبة، والأدوات اللازمة لتزايد النفوذ الإيراني، من حيث وجود الأحزاب، والحركات، والمنظمات، والميليشيات المسلحة ذات الارتباط الأيديولوجي بإيران التي تحقق بدورها ما يتطلبه الدور الإيراني من أهداف، بخلاف إدراك إيران حاجة هذه الجهات لدعمها من أجل البقاء في مراكز السلطة والتأثير.

اتجاهات متوقعة

من المتوقع أن تسعى إيران، حال إنهاء سيطرة “داعش” على المدن والأراضي العراقية التي سيطرت عليها، إلى ترسيخ دورها في العراق بالشكل الذي يحقق مصالحها، ويخدم أهدافها على مختلف الصعد سياسياً، وأمنياً، واقتصادياً، ودينياً، بما يتناسب وتمددها الإقليمي، في ظل معطيات ومتغيرات الساحة الدولية وتوجهاتها التي تبنتها إدارة روحاني. ومن الممكن، وفق معطيات الواقع، أن يتخذ الدور الإيراني في العراق أبعاداً متعددة تتمثل فى:

– البعد السياسي، فبالاستناد للوجود الإيراني المباشر، وحاجة القوى والتيارات العراقية للدعم الإيراني للبقاء في السلطة، فإن طهران ستمارس دوراً سياسياً من خلال التأثير في مجريات العملية السياسية، والتوجهات الحكومية، وستعمل على تحقيق التوازن بين الحركات والأحزاب الدينية الموالية لها ودعمها للسيطرة على مؤسسات الدولة العراقية المختلفة، واستبعاد القوى والتيارات ذات التوجهات الوطنية التي تعارض الدور الإيراني.

ومن المتوقع أيضا أن تحاول إيران إبقاء الحكومة العراقية بوضع لا يمكنها من الاستقلال عن التوجه الإيراني، فضلاً عن أنها ستسعى إلى أن تلحق مواقف الحكومة العراقية بموقف طهران تجاه التطورات والقضايا العربية، والتأثير فى علاقات العراق العربية، والإقليمية، والدولية ، وهو ما بدأ يتحقق عندما جاء الموقف العراقي متناغماً مع الموقف الايراني المعارض لعملية “عاصفة الحزم” التي تقودها السعودية ضد الحوثيين في اليمن .

-البعد الاقتصادي: ويتمثل فى السعي إلى الهيمنة على الأسواق العراقية، وإغراقها بالبضائع والسلع الإيرانية ذات الأسعار الرخيصة، مقارنة بالبضائع والسلع المستوردة من الدول الأخرى، والتركيز على الجوانب الاستهلاكية لا الإنتاجية بهدف احتكار منافذ الإنتاج لإيران دون العراق. أضف إلى ذلك أن ثمة توقعات بارتفاع مستوى التبادل التجاري بين الدولتين من 12 مليار دولار عام 2014 إلى 22 مليار دولار 2015 .

وبقدر ما تستطيع إيران تعطيل البنى الاقتصادية، والصناعية، والزراعية، ستزود الأسواق العراقية بما يلبي الطلب فيها، وستحاول إيران أن يكون لها دور في مشاريع الأعمار والاستثمار في المحافظات التي ستعيد الحكومة العراقية السيطرة عليها، وإخراج عناصر “داعش” منها، وستعمل إيران على الاستفادة من القطاع المصرفي في العراق لسد حاجتها من العملة الأجنبية التي تحتاج إليها، في ظل العقوبات الدولية المفروضة عليها.

– البعد الأمني: حيث أظهرت الأزمة الأمنية، وتصاعد دور “داعش” في العراق طبيعة الدور الأمني الإيراني متعدد الوظائف. فمنذ بداية الأزمة، برز بوضوح الوجود المباشر لعناصر الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإيرانية في العراق، وبدأ انتشارها الميداني بحجة حماية الأماكن والمراقد الدينية، ومساعدة الأجهزة الأمنية العراقية لمواجهة مقاتلي “داعش”. ومن المتوقع أن يبقى هذا الوجود في المرحلة المقبلة بمبررات، منها إعادة تنظيم القوات الأمنية العراقية، وتقديم الاستشارات الأمنية والاستخبارية لمواجهة “الإرهاب”، وحماية المراقد الدينية.

وبالإضافة لهذا الوجود الأمني المباشر، فهنالك الميليشيات الشيعية في العراق المرتبطة بإيران، التي تمثل وجوداً أمنياً غير مباشر لطهران. ويمنح هذا البعد الزخم الأكثر في تأثير الدور الإيراني فى مجريات الأحداث في الساحة العراقية مستقبلاً.

– البعد الديني: ويتمثل فى سعي إيران للتحكم فى المرجعات الدينية – الشيعية في العراق، وتحجيم تأثير المرجعيات ذات التوجه العروبي، أو التي لا تعترف بمبدأ ولاية الفقيه، وترسيخ نفوذ المرجعيات ذات الأصول الإيرانية، عبر تحجيم الحوزات الدينية في النجف لحساب حوزات مدينة “قم” الإيرانية.

كوابح إقليمية ودولية

بالرغم من أن التطورات الأمنية الحاصلة في الساحة العراقية فى الآونة الأخيرة قد جاءت في مصلحة تنامي تأثير دور إيران في العراق، فإنه من الصعوبة تجاهل العديد من الكوابح التي تعترض هذا الدور، ومن أهمها:

–    تراجع المستوى الاقتصادي في إيران بسبب العقوبات الدولية المفروضة عليها، والتكلفة الباهظة للدور الإيراني في كل من العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، بالترافق مع إمكانية تزايد حدة صراع أجنحة الحكم في النظام الإيراني، في ظل محاولة المحافظين السيطرة على مؤسسات الحكم، وإبعاد الإصلاحيين عنها، والتفاوت الحاصل بين المجتمع الإيراني ذي النزعة الليبرالية، والطبقة الحاكمة باسم الدين، الأمر الذي ينعكس سلباً على الدور الإيراني في العراق والمنطقة.

–    يؤدي النفوذ الإيراني والميليشيات المرتبطة به، وممارساتها الطائفية، والاتهامات المتكررة بانتهاكات حقوق الإنسان، وارتكاب الجرائم، والتغيير الديموغرافي ضد المكون السني، علاوة على الاختلافات مع الأحزاب الكردية، إلى بروز حركة “الصد الطائفي” في الداخل العراقي من مختلف التيارات والمكونات، لاسيما إذا حصلت على دعم إقليمي ودولي مناوئ للنفوذ الإيراني، وهو أمر متوقع في مرحلة ما بعد “داعش” للحيلولة دون تنامي الدور الإيراني الذي يتخذ من العراق منطلقاً له تجاه باقي دول المنطقة .

–    قد تفضي المرحلة القادمة إلى حصول صراع على السلطة في العراق بين القوى السياسية والميليشيات المسلحة التي تعُد نفسها صاحبة القوة والتأثير في محاربة “داعش”، وإعادة السيطرة على المدن والمناطق التي كان قد سيطر عليها التنظيم سابقاً، ولها إمكانيات عسكرية كبيرة على الأرض، الحال الذي يُشيع الفوضى، ويُعيد التدخل الدولي في العراق، ويؤثر فلى المخطط الإيراني، وقد يفضي إلى ظهور قوى وتيارات وطنية تعارض دور إيران ووجودها في العراق.

–    إمكانية حصول تباعد بين الحكومة العراقية وإيران، في ظل ضرورات تطبيق البرنامج المعلن لحكومة العبادي، وبنود الاتفاق السياسي الذي تشكلت هذه الحكومة على أساسه، وما يتضمنه من عدم السماح بالتدخل الإقليمي في الشأن العراقي، والتوازن في العلاقات العراقية الخارجية .

–    بالرغم من عدم رفض الولايات المتحدة الأمريكية الوجود الإيراني فى العراق، في ظل الأزمة الأمنية مع “داعش”، فإن معارضة الجمهوريين في الكونجرس الأمريكي، وضغوطات اللوبي المؤيد لإسرائيل، وإمكانية تولي جمهوري الرئاسة الأمريكية، علاوة على طبيعة العلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والخليج، كل ذلك ربما يُعيد حسابات واشنطن لتحجيم الدور الإيراني، سواء في العراق، أو المنطقة، وما التأييد والدعم الامريكي للتوجهات الخليجية بتحجيم النفوذ الايراني في اليمن إلا جزء من خطوات عدة ربما تشمل باقي مراكز هذا النفوذ في المنطقة العربية .

–    يُشكل التوجه السعودي، خاصة بعد تولي الملك سلمان بن عبد العزيز لمقاليد الحكم، للتعاون مع قطر، ومصر، وتركيا لمحاربة الإرهاب، الذي برزت انطلاقته الأولى بقيادة السعودية للتحالف العربي– الإقليمي ضد الحوثيين بعملية “عاصفة الحزم”، الذي بدأ يجتذب دولا إقليمية مهمة كباكستان، بمنزلة الإعلان عن الدعوة لتشكيل محور سني في المنطقة لمواجهة الدور الإيراني المتنامي، في ظل تراجع التأثير العربي. كما أن هناك دفعاً أمريكياً لإيجاد دور تركي في العراق للحد من النفوذ الإيراني فيه، لاحت بوادره بتشديد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في تصريح صحفي يوم 26 مارس 2015 بأن على إيران سحب مقاتليها من العراق، وسوريا، واليمن، واحترام سيادة هذه الدول، مشيراً إلى أنه أمر لا يمكن تحمله بعد .

 خلاصة القول إن تنامي الدور الإيراني في العراق لم يتأت من قوة إيران، وإنما نتاج لمتغيرات داخلية وإقليمية ودولية مهدت الطريق لهذا الدور، وهو دور مؤثر في مجريات الأحداث في الساحة العراقية، وسلبي في أكثر أبعاده. وليس أدل على ذلك من تصريح مستشار الرئيس الإيراني لشئون القوميات والأقليات الدينية، علي يونسي، في منتدى الهوية الإيراني، حينما قال إن : “إيران اليوم أصبحت إمبراطورية، كما كانت عبر التاريخ، وعاصمتها بغداد حالياً، وهي مركز حضارتنا، وثقافتنا، وهويتنا اليوم، كما الماضي. إن جغرافية إيران والعراق غير قابلة للتجزئة، وثقافتنا غير قابلة للتفكك. لذا إما أن نقاتل معا، أو نتحد”، وهو أمر يجب التنبه له من قبل القوى والتيارات العراقية، حفاظاً على العراق والعراقيين

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *