لم تعد ازمة العراق ازمة موارد او امكانات، فبلد يمتلك هذا الكم من الثروات البشرية والطبيعية لا يمكن اختزاله في مشكلة فقر او ضعف. الازمة الحقيقية تكمن في السياسة ذاتها، في الطريقة التي تُدار بها الدولة، وفي العقل الذي ما زال يتعامل مع الحكم بوصفه غنيمة لا مسؤولية، ومناسبة للظهور لا اداة بناء. المشهد السياسي العراقي يعاني من تخمة في الكلام، وفقر في الفعل. خطابات لا تنتهي، مؤتمرات، بيانات، ووعود تتكرر بنفس الصياغة تقريبا، لكن النتيجة واحدة: دولة تتحرك ببطء، ومجتمع يزداد شكاً، ومؤسسات تفقد هيبتها تدريجيا. الخطير في الامر ان هذا الخلل اصبح شبه طبيعي، وكأن الفشل المتكرر بات جزءا من الروتين السياسي اليومي. السياسة في العراق لا تدار بعقل الدولة، بل بعقل اللحظة. قرارات مصيرية تُتخذ تحت ضغط الشارع احيانا، وتحت ضغط التوازنات الحزبية احيانا اخرى، ونادرا ما تُتخذ بناءً على رؤية بعيدة المدى. هذه العقلية الانفعالية لا يمكن ان تنتج استقرارا، ولا يمكن ان تؤسس لدولة محترمة، مهما حسنت النوايا او كثرت الشعارات. الاكثر قسوة في هذا المشهد هو ان كثيراً من الفاعلين السياسيين لا يفرقون بين الادارة والبطولة. يظنون ان رفع الصوت يعني قوة، وان التصعيد يعني شجاعة، وان الاعتراف بالخطأ ضعف. والحقيقة ان الدولة لا تُبنى بهذه الطريقة. الدول تبنى بالهدوء، بالحسابات الدقيقة، وبالقدرة على ضبط الصراع لا اشعاله. الفساد، رغم كونه مشكلة خطيرة، ليس اخطر ما يواجه العراق. الاخطر هو الارتجال. فالفساد يمكن ملاحقته اذا توفرت مؤسسات وقوانين، اما الارتجال فيقوض فكرة الدولة من اساسها. حين تصبح السياسة رد فعل دائم، تفقد المؤسسات قدرتها على التخطيط، ويتحول الحكم الى سلسلة من المحاولات غير المكتملة. كما ان الخلط المتعمد بين النقد والهدم، وبين المعارضة والخيانة، اسهم في تسميم الحياة السياسية. كل راي مخالف يصنف، وكل سؤال يفسر على انه استهداف. بهذا المنطق، لا يمكن ان تنشأ دولة حديثة، ولا يمكن ان تتطور ديمقراطية. الدولة القوية لا تخاف من الاسئلة، بل تخاف من الصمت الكاذب. العراق لا يحتاج اليوم الى منقذ جديد، ولا الى زعيم ملهم اخر، ولا الى شعارات اكثر حدة. يحتاج الى نمط مختلف من التفكير السياسي، نمط يعترف بتعقيد المجتمع العراقي، وبحقيقة ان الاصلاح عملية طويلة، لا صفقة سريعة. يحتاج الى سياسيين يفهمون ان الحكم ليس حملة اعلامية، وان الدولة لا تُدار بالمنصات ولا بالترند. من السذاجة الاعتقاد ان تغيير الوجوه كافٍ لحل الازمة، بينما تبقى الادوات نفسها، والعقليات ذاتها. الازمة اعمق من اشخاص، انها ازمة اسلوب ومنهج. طالما بقيت السياسة تُدار بعقل الغلبة، لا بعقل الشراكة، ستبقى الدولة ضعيفة مهما تبدلت الحكومات. في النهاية، العراق لا ينقصه الذكاء، بل ينقصه الهدوء. ولا تنقصه الاصوات، بل تنقصه العقول التي تعرف متى تتكلم ومتى تصمت. السياسة حين تفقد عقلها، تتحول من اداة ادارة الى عبء ثقيل. وبناء الدولة لا يبدأ بالصراخ، بل يبدأ بالاعتراف بالفشل، ومغادرة وهم البطولة، والعودة الى منطق الدولة، قبل فوات الاوان.