المهرجانات والمهرجانيون.. مسؤوليَّة المسرح ودعائيَّة الهدف

المهرجانات والمهرجانيون.. مسؤوليَّة المسرح ودعائيَّة الهدف
آخر تحديث:

د. عواطف نعيم

لا شك أن الإعلان عن إقامة مهرجان للمسرح يعني الإعلان عن عافية وحياة المسرح، وهو أيضا إعلان عن عافية وانتظام الحياة الاجتماعية في البلد الذي يحتضن تلك التظاهرة المسرحية، والعافية هنا لها درجات‘ فإقامة مهرجان وطني للمسرح تجتمع من خلاله محافظات الوطن وتقدم إنجازها المسرحي، فذلك يعني أن المسرح بكليته في البلد معافى وقادرا على أن يتمثل هموم وأحلام وهمس هواجس الناس من حوله، ولا سيما المسرحيين أبناء الوطن الواحد الذين يسعون جادين لتطوير حركة مسرحية عراقية تنبعث قوتها وطموحاتها من داخل المحافظة التي تحتضن تلك التجارب والاشتغالات، إذ إن المسرح ليس حكرا على محافظة من دون أخرى، بل هو ظاهرة تنمو وتتأسس من خلال الجهود الفردية لعقول إبداعية باحثة ومجربة ومهمومة بتلك الظاهرة الفريدة في حضورها وفاعليتها، لذا لا يمكن لنا حين نتكلّم عن المسرح العراقي أن نطلق وصف مسرح المحافظات على العروض المسرحية القادمة للمشاركة في العاصمة بغداد، بل نقول المسرح العراقي في المحافظات مشارك في عروض بغداد المسرحية، وتلك هي التسمية الحقيقية التي تتناسب مع جهود واجتهاد العاملين على الظاهرة المسرحية في جموع المحافظات العراقية، وحين يقام ملتقى أو كرنفال مسرحي في العاصمة العراقية بغداد أو في إحدى المحافظات النشطة والفاعلة نرى كل الفنانيين والفنيين والمتابعين يتسابقون ويسعون جاهدين لتقديم الافضل والتألق في الابتكار والبحث لتقديم ما يعد أكثر تميزا وحضورا، وهذا الحرص إنما هو دليل على أهمية تلك الملتقيات أو التظاهرات وتأثيرها في التحفيز والمشاركة لغرض التنافس وتفعيل الحراك البحثي والمعرفي.

إذن وجود عروض مسرحية تضاء من خلالها خشبات المسارح وفضاءات الأمكنة المحورة لاحتضان تلك العروض إنما هو دليل عافية وطمأنينة أمنية وثقافية واجتماعية، فكيف يكون الحال اذا كانت تلك العروض تنتظم في مهرجان وطني يدعمها ويمنحها فرصة الحياة والابداع؟، والمهرجانات الوطنية ما هي إلّا تأسيس ناجح وضروري للتقدم خطوات واثقة نحو إقامة مهرجانات عربية قادرة على استقبال فرق وعروض مسرحية متنوعة ومغايرة لتحل ضيفة على المسرح العراقي، وتدخل في دائرة التنافس لإبراز الأفضل والأكثر تأثيرا ولفتا للأنظار والتقييم  من خلال مهارات واجتهاد وجرأة العاملين في هذا العرض العربي أو ذاك، كما أن المهرجانات العربية حين تقام تكون قد استندت في حضورها ودعامات نجاحها وتطور مفاهيمها لمعنى التجربة المسرحية الأنموذجية على عقول تتلمذت ونضجت وتثقفت من خلال وجودها وعملها داخل التجربة المسرحية الوطنية الخالصة من دون استنساخ أو تقليد، حينها لا يكون صعبا على بلدٍ ما – وليكن العراق هذا البلد – أن يقيم مهرجانات مسرحية عربية وعالمية لأنه قد أسس لهذه الخطوة بشكل سليم ومتوالٍ عبر ما قدمه خلال السنوات السابقة في مجال الملتقيات والتظاهرات والكرنفالات التي أقامها للمسرح، والأهم من كل ذلك أن تلك التجارب والاهتمامات التي نجحت وتكرست للظاهرة المسرحية في العراق أنجزت بالمال العراقي والعقل العراقي الخلاق والمبتكر. 

وقد شهد المسرح العراقي عبر سنوات عمره المديد ومن خلال رجالاته ونسائه المبدعين والمبدعات اقامة العديد من المهرجانات المسرحية في العاصمة بغداد وفي مجمل المحافظات العراقية، ولم تكن هذه المهرجانات تكتفي بتقديم العروض المسرحية بل تعمد أيضا الى وجود ملتقيات للحوار وورش للتدريب وندوات فكرية مصاحبة وبوجود مختصين لمناقشة الظاهرة المسرحية بكل تجلياتها، ويصاحب تلك الفعاليات وجود كتب ومطبوعات ومعارض تهتم هي ايضا وتعنى بتسليط الضوء على آخر التطورات والاشتغالات في العالم عن المسرح. 

المهرجانات المسرحية هي تأسيس إنساني واجتماعي يعكس حضارة وتحضّر مجتمع، ويمهّد الطريق لإنشاء بنى تحتية وصروح ثقافية ومرافق فنية وتقنية تنهض بمستوى ما يقدم وينتج من عروض مسرحية وفعاليات درامية وموسيقية ومعارض تشكيلية وفوتغرافية وقراءات شعرية ومناقشات أدبية وسينمائية، إذ إن المسرح هو أب للفنون جميعا وحاضنة آمنة لها في فضاءاته الرحبة وعوالمه الإنسانية المنفتحة. 

ولكن لا بد من طرح سؤال مشاكس بوصف المسرح فن الكشف والتوعية والاحتجاج، هل إن كل المهرجانات المسرحية التي تقام وتحت تسميات مختلفة ومتعددة تهدف الى تأسيس فن مسرحي خالص، بعيداً عن الشخصانية والدوافع النفعية والاخوانية والشللية والاستعراضية والتسييسية؟. للحديث تتمة.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *