بغداد/ شبكة أخبار العراق- منذ سنوات، يحذّر خبراء محليون ودوليون من أنّ العراق يعيش على حافة أزمة بنيوية بسبب اعتماده الساحق على النفط؛ فحوالي 90–95% من إيرادات الموازنة تأتي من صادرات النفط الخام، فيما تبقى الإيرادات غير النفطية – من جمارك وضرائب ورسوم – عند مستويات هي الأدنى تقريباً بين دول مصدّرة للنفط في المنطقة، إذ لم تتجاوز في السنوات الأخيرة نحو 2.9% من الناتج المحلي، بحسب تقارير البنك الدولي واتحاد الأعمال العراقي البريطاني.هذا الخلل لم يعد تفصيلاً تقنياً في جداول الإنفاق، بل أصبح معضلة وجودية: دولة بإنفاق عام متضخّم ورواتب ومخصّصات وخدمات مترتبة على موازنة تعتمد شبه كلياً على تقلبات سعر برميل النفط. لهذا، تدفع مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي باتجاه “تعظيم الإيرادات غير النفطية” عبر إصلاح المنظومة الجمركية والضريبية، ورفع كفاءة التحصيل، وإغلاق منافذ التهرّب.
في المقابل، يعيش السوق العراقي على واقع مختلف تماماً: اقتصاد استهلاكي مستورد إلى حد كبير، يعتمد في غذائه ودوائه وأجهزته الكهربائية وملابسه على الخارج، بحيث تتحول أيّ زيادة في الرسوم أو اهتزاز في سعر الصرف إلى تضخم مباشر في أسعار السلع، كما تؤكد دراسات أكاديمية عراقية عن “التضخم المستورد” وارتباط الأسعار بتقلبات الدولار.بين ضغط المؤسسات الدولية لتوسيع الجباية، وضغط الشارع الذي لا يحتمل صدمات إضافية في الأسعار، تحاول الحكومة أن تمشي على حافة ضيقة؛ غير أنّ تطبيق قراراتها الأخيرة في ملف الجمارك جعل هذه الحافة تنزلق إلى احتجاجات وإضرابات في قلب الأسواق.
في قلب المعادلة يقف “قرار مجلس الوزراء 957 لسنة 2025″، الذي أعاد هيكلة التعرفة الجمركية على نحو واسع، من خلال شرائح تتراوح تقريباً بين 0.5% و30% على آلاف البنود السلعية، مع تعميم التطبيق على كل المنافذ الحدودية والمراكز الجمركية.
تزامن مع ذلك إدخال نظام الأسيكودا ASYCUDA والتصريح المسبق، بما يعني عملياً:
-تقييم جديد لقيمة البضائع المستوردة، غالباً أعلى من القيم التي كان يصرّح بها التجار سابقاً.
-إلزام التاجر بالدفع سلفاً وبصورة إلكترونية أوضح، مع تضييق مساحة “التفاهمات” التقليدية في المنافذ.
بالنسبة للحكومة، هذا مسار إصلاح ضروري لإغلاق ثغرات الفساد ورفع الإيرادات الجمركية. وبالفعل تشير بيانات رسمية حديثة إلى ارتفاع ملحوظ في إيرادات الهيئة العامة للجمارك بعد تطبيق الأنظمة الجديدة. لكن بالنسبة لشرائح واسعة من التجار، خصوصاً في أسواق بغداد ومحافظات الجنوب، بدت الصورة مختلفة:
-ارتفاع حاد في كلفة إخراج الحاوية الواحدة من الميناء، وفق شهادات متداولة، بحيث أصبحت الرسوم تقارب أحياناً جزءاً كبيراً من قيمة البضاعة نفسها.
-تكدّس كبير للحاويات في موانئ البصرة، لأن التاجر صار عالقاً بين خيارين أحلاهما مر: إمّا دفع الرسوم الجديدة وتحمل الخسارة، أو ترك البضاعة في الميناء ودفع غرامات أرضيات.
في هذا المناخ، بدأت الاحتجاجات على شكل وقفات أمام غرف التجارة، وتجمّعات أمام مباني الجمارك، ثم تطوّرت إلى دعوات علنية من “تجمّع تجار العراق” وكيانات تمثيلية أخرى لإغلاق الأسواق على مستوى وطني ابتداءً من يوم أحد محدّد، رداً على ما يعتبرونه “قرارات مجحفة” بحق التجارة والقطاع الخاص.هكذا تحوّل نص قانوني في الجريدة الرسمية إلى لافتة على باب محل في الشورجة كتب عليها ببساطة: “مغلق بسبب رفع التعرفة الجمركية”.
الخطاب الحكومي يحاول أن يمسك العصا من المنتصف. من جهة، تؤكد الهيئة العامة للجمارك أنّه “لم تُفرض ضرائب جديدة” على التجار، وأن ما جرى هو توحيد آليات التطبيق وإعادة ضبط بعض القيم الجمركية بما ينسجم مع القوانين النافذة.من جهة أخرى، تلوّح وزارات ومؤسسات اقتصادية بأرقام عن “هدر ضخم” في الإيرادات غير النفطية في السنوات الماضية، وتعتبر أنّ تشديد التحصيل ضرورة لحماية الموازنة وتقليل الاعتماد على النفط، بما ينسجم مع مستهدفات الحكومة بخفض الاعتماد النفطي إلى نحو 80% خلال أعوام محدودة.في الخلفية، يضغط شركاء دوليون أيضاً باتجاه هذا المسار، إذ يشير تقرير حديث لصندوق النقد إلى أنّ أيّ إصلاح مالي جدي في العراق لا يمكن أن يتم من دون رفع كفاءة الجباية الجمركية والضريبية، حتى لو كان الأثر سياسياً غير مريح في المدى القصير.
لكن المشكلة لا تكمن في المبدأ فقط، بل في طريقة التنفيذ:
-قرارات صدرت بسرعة، من دون تدرّج زمني واضح، في بيئة تشكو أصلاً من هشاشة دخل المواطن وتقلبات سعر الصرف.
-ضعف الحوار المسبق مع التجمّعات التجارية والاتحادات المهنية، ما جعل كثيراً من التجار يشعرون بأنّهم خارج معادلة صنع القرار، وأنّهم يتلقّون نتائج سياسات صُمّمت في مكاتب مغلقة.
بهذا المعنى، ليست المشكلة فقط في “كم يدفع التاجر للحاوية”، بل في سؤال أعمق: كيف تُدار العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص في بلد يريد أن يخرج من اقتصاد الريع، من دون أن يحرق الجسر الوحيد الذي يمرّ عليه الناس إلى السوق؟
وسط الأصوات المتضادة، يقدّم الخبير الاقتصادي مصطفى حنتوش مقاربة تحاول أن تضع الإضراب في سياقه، من دون تبنٍّ كامل لوجهة نظر الحكومة أو التجار، ولكن مع تفضيل واضح لمسار الحوار على منطق التصعيد.قال حنتوش في حديث صحفي، إن “إضراب التجار في عدة أسواق داخل بغداد لم يكن مفاجئاً، كما أن أصواتهم وصلت بالفعل إلى أصحاب القرار في الحكومة”، لافتاً إلى أن “الحكومة اتخذت ثلاثة إجراءات رئيسية، أولها التصريح المسبق، وهو إجراء صحيح بنسبة 100% لمواجهة عمليات غسيل الأموال”.وأضاف أن “رفع تقييم النسبة الجمركية ورفع سعر الحاوية ضمن الاجراءات”، مشيراً إلى أن “الحكومة، وفي ما يخص ملف الأدوية، أعادت النسبة الجمركية إلى وضعها الطبيعي، كما خفّضت 25% من القيمة الكلية للبضاعة”.وأوضح حنتوش أنه “يمكن القول إن هناك إجراءات حكومية واضحة، يقابلها حوار ونقاش مع التجار”، مؤكداً أن “للتجار حقاً في الاعتراض، ولا سيما أن هناك زيادات فعلية حصلت في أسعار بعض السلع، وهو أمر يحتاج إلى مراجعة وتقييم دقيقين”.وبيّن أن “الاستمرار بالنقاش وطرح المطالب أفضل بكثير من الذهاب إلى الإضراب أو إغلاق الأسواق”، محذراً من أن “هذا الخيار قد يفتح الباب أمام المضاربين واستغلال المواطنين، فالمجتمع لديه طلب، وكلما قلّ العرض ارتفعت الأسعار، ما يؤدي إلى مضاربات سعرية إضافية فوق تلك التي نتجت عن تذبذب نسب الجمارك”.وختم بالقول: “لا أنصح بإغلاق الأسواق أو الإضراب، بل أدعو التجار إلى الاستمرار بالانفتاح على الحكومة والتشاور معها وطرح أفكارهم والمشاكل التي يعانون منها، وأعتقد أن الحلول ستكون قريبة إذا استمر هذا المسار”.
هذا الموقف يسلّط الضوء على زاويتين مهمتين:
-اعتراف بوجود مشكلة حقيقية في زيادة الكلف وارتفاع أسعار بعض السلع، ما يجعل الاحتجاج مفهوماً.
-تحذير من سلاح الإغلاق بوصفه خطوة قد تدفع السوق إلى ندرة في السلع، فتتحوّل من أداة ضغط “مهنية” إلى بوابة لمضاربات قاسية يدفع ثمنها المستهلك أولاً.
أيّ تغيير في الجمارك أو سعر الصرف في بلد يشبه العراق، حيث تعتمد نسبة كبيرة من السلع على الاستيراد، يمرّ سريعاً إلى “سلة المواطن”. الدراسات العراقية حول مرونة الطلب على السلع المستوردة تشير إلى أنّ الطلب على الكثير من السلع الوسيطة والنهائية ضعيف المرونة؛ أي أنّ المستوردين يواصلون الاستيراد حتى مع ارتفاع الأسعار، فيما يجد المستهلك نفسه مضطراً للشراء، لكن بكميات أقل أو على حساب بنود أخرى من دخله.مع تراجع القوة الشرائية بسبب موجات سابقة من ارتفاع الدولار، بيّن بحث منشور لصالح البنك المركزي أنّ أيّ تراجع كبير في قيمة الدينار، مع اعتماد يصل إلى 50% على السلع المستوردة في سلة الاستهلاك، كفيل بدفع التضخم إلى مستويات مؤلمة للفئات ذات الدخل المحدود.
اليوم، حتى من دون خفض رسمي جديد في سعر الصرف، يكفي أن تتزاوج ثلاثة عوامل معاً لتولّد موجة غلاء جديدة:
-رسوم جمركية أعلى على الحدود.
-اضطراب في انسيابية الاستيراد بسبب تكدس الحاويات وتحويل جزء من التجارة إلى منافذ إقليم كردستان أو دول الجوار.
-إضراب أو إغلاق جزئي للأسواق يقيّد العرض في المدى القصير.
بهذا المعنى، المواطن الذي يشاهد أبواب المحال مغلقة لا يرى فقط “خلافاً بين الحكومة والتجار”، بل يستشعر مقدمات حلقة جديدة من ارتفاع الأسعار على راتب هو نفسه لم يتحرك منذ أشهر أو سنوات.
إرادات متعددة… بين إصلاح الدولة واحتجاج السوق وضغط الخارج
أزمة الجمارك ليست صراعاً ثنائياً بسيطاً بين حكومة وتاجر؛ هناك على الطاولة أكثر من فاعل:
-الدولة المركزية التي تريد أن تظهر جديّة أمام شركاء دوليين بأنها قادرة على زيادة الإيرادات غير النفطية وضبط المنافذ، وأنّها لا تكتفي بالعيش على ريع النفط المتقلب.
-القطاع الخاص والتجار الذين يتهمون السياسات الحكومية بأنّها “تصحّح على الورق” لكنها لا تراعي واقع البنى التحتية والوقت والكلف، ويخشون من إفلاس منشآت صغيرة ومتوسطة تشكل عصباً رئيسياً للتشغيل في بلد يعاني أصلاً من البطالة.
-المؤسسات المالية الدولية التي تنصح بزيادة الجباية الجمركية والضريبية، لكنها في الوقت نفسه تحذّر من تنفيذ سريع وغير مدروس في بيئة هشة سياسياً واجتماعياً.
-المناطق الحدودية والإقليمية مثل إقليم كردستان، الذي يدخل بدوره في سجالات مع بغداد حول أنظمة الجمارك، ما يفتح ثغرات يستخدمها التجار للتحوّل إلى منافذ بديلة، ويخلق ما يشبه “حرب أنظمة جمركية” داخل البلد الواحد.
هذه الإرادات المتشابكة تجعل أيّ تراجع حكومي كاملاً عن القرارات مكلفاً سياسياً ومالياً، كما تجعل أيّ إصرار كامل على التطبيق من دون تعديل مكلفاً اجتماعياً واقتصادياً. من هنا تنشأ الحاجة إلى توازن دقيق بدل منطق “الكل رابح أو الكل خاسر”.
إذا كان السؤال في البداية هو “مَنْ أوصلنا إلى هذه المرحلة؟”، فإنّ السؤال في هذه الفقرة هو “كيف نخرج منها بأقل الخسائر؟”. يمكن رسم ملامح توازن معقول بين الدولة والسوق عبر مجموعة خطوات عملية، يلمّح إليها الخبراء والممارسون:
-تدرّج زمني واضح: بدل التطبيق الفوري والشامل للتعرفة الجديدة، يمكن تقسيم التنفيذ إلى مراحل، تبدأ بسلع كمالية أو عالية الربحية، ثم تنتقل تدريجياً إلى بقية البنود، مع تقييم للأثر في كل مرحلة.
-استثناءات مدروسة للسلع الحساسة: ما فعلته الحكومة في ملف الأدوية – حين أعادت النسبة الجمركية إلى وضعها الطبيعي وخفّضت 25% من القيمة الكلية لبعض البضائع – يمكن أن يتحوّل إلى نموذج عام لسلع أخرى مرتبطة مباشرة بسلة الفقراء، مثل بعض الأغذية الأساسية.
-حوار مؤسسي لا موسمي: دعوة حنتوش للتجار إلى “الاستمرار بالانفتاح على الحكومة والتشاور معها” يمكن أن تتحول إلى مجلس دائم أو “لجنة أزمة” تضم ممثلين عن الحكومة والتجار وغرف التجارة وخبراء مستقلين، تراجع البيانات بشكل دوري وتضبط إيقاع القرارات، بدلاً من أن يكون التواصل عبر بيانات متبادلة في الإعلام فقط.
-ربط إصلاح الجمارك بإصلاح أوسع للبيئة الاقتصادية: لا يمكن إقناع التاجر بأن يدفع رسوماً أعلى، بينما يبقى في المقابل يواجه البيروقراطية، والفساد، وغياب الخدمات في الموانئ والطرق. كثير من التقارير الدولية تؤكد أنّ بيئة الأعمال في العراق تعاني من كلف خفية، تجعل أيّ زيادة رسمية في الرسوم تبدو كأنّها “القشة الأخيرة” على كاهل شركات صغيرة ومتوسطة.
-حماية المستهلك من موجات الغلاء: يمكن التفكير في أدوات تعويض مؤقتة أو برامج دعم موجّهة للفئات الأشد هشاشة في حال ثبت أنّ تطبيق القرارات الجمركية سيؤدي إلى ارتفاعات واضحة في أسعار سلع أساسية؛ كنوع من “شبكة أمان اجتماعي” ترافق الإصلاح المالي، بدل أن يُترك المواطن وحيداً في مواجهة الأسعار.
الإضراب الذي أغلق أسواقاً في بغداد ليس حادثاً معزولاً، بل إشارة إنذار مبكّرة إلى هشاشة العقد بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع.الدولة محقّة حين تقول إنّ اقتصاداً يقوم على النفط وحده لا يمكن أن يستمر، وإنّ تعظيم الإيرادات غير النفطية عبر الجمارك والضرائب جزء من أيّ إصلاح جدي. في المقابل، التاجر محقّ حين يخشى أن تتحوّل “الإصلاحات الورقية” إلى كلف قاتلة على مشروعه الصغير أو المتوسط، وأن يجد نفسه أمام رسوم جديدة وبنية تحتية قديمة، وسوق لا تتحمّل مزيداً من الصدمات.




































