شارع المتنبي من 2006 الى 2014

شارع المتنبي من 2006 الى 2014
آخر تحديث:

بغداد / شبكة أخبار العراق : في العام 2006، كان يوم الجمعة في بغداد من دون نكهة. أصدرت الحكومة ذلك العام قراراً يحظر التجوال خشية من وقوع التفجيرات على يد الانتحاريين الذين يجوبون الشوارع من دون رادع أو خوف. يبحثون عن تجمعات بشرية لتحويلها إلى أشلاء يصعب جمعها. دفع ذلك باعة الكتب في شارع المتنبي، وهو الشارع الوحيد الذي يختص بالكتب والقرطاسية في العاصمة، الى إحراق مجلدات من الكتب أمام كاميرات التلفزيون تعبيراً عن سخطهم ممّا لحق بالسوق الذي أكله الموت.في العام 2014 يختلف المشهد تماماً. أصبح للشارع رواد من كل الأعمار، ومن كلا الجنسين. كتُاب ورسامون ومصورون يأتون للقاء بعضهم البعض أو للبحث عن كتب جديدة وقديمة. بعض هؤلاء صار يأتي بأولاده ليتركهم في بناء حديقة «القشلة» التي كانت ثكنة عسكرية أيام الاحتلال العثماني، ليرسموا أو ليشاهدوا الرسامين.ورغم «المشهد السعيد» هذا، فإن كل يوم جمعة بغدادي على موعد مع تقطيع الأوصال. أغلب الطرق تكون مغلقة، وعلى الذاهب من الرصافة إلى الأسواق الثلاثة ـ من بينها المتنبي ـ أن يسلك طرق ملتوية للوصول. هذه الأسواق ستكون الوحيدة التي تفتح أبوابها. فبغداد يوم الجمعة صباحاً مدينة نائمة، ولا يسمع فيها سوى صوت أطفال يعمل منبههم الداخلي إيذاناً بموعد ساعة الذهاب إلى المدرسة.يفتح سوق الغزل، الذي تعرّض لأربعة تفجيرات خلال عامين، أبوابه مبكراً جداً، يذهب باعة الطيور والحيوانات الأليفة لبيع وشراء الحيوانات أو للتفرّج عليها.أما الباب الشرقي فهو السوق الجامع لكلِّ شيء. هنا تجد ملابس «البالة» إلى جانب الخواتم الفضة والساعات والأدوات الالكترونية والهواتف المحمولة، بالإضافة إلى الأفلام «الإباحية».بعض رواد شارع المتنبي يذهب إلى الأسواق الثلاثة، ويكون الترتيب بحسب الأهمية لديه. لكن غالباً ما تنتهي الأمور بالباب الشرقي، حيث يتوسّط سوق الغزل السوقين.لكن في أيام التظاهرات، غالباً ما ينتهي الطريق إلى المتنبي، فحين تدعو منظمات المجتمع المدني، أو مجموعات شبابية إلى تظاهرات ضد الحكومة تكون غالباً في «ساحة التحرير» التي تقع في الباب الشرقي، وهناك لا بد أن تكون القوات الأمنية قد طوّقت المكان، وأقفلت الساحة حتى لا يتجمع المتظاهرون. يهرب هؤلاء الشباب إلى شارع المتنبي خشية التعرض الى الاعتقال. يعيدون التظاهر في المتنبي. هنا سينعمون بحرية أكثر، فالقوات الأمنية المتواجدة بات بينها وبين رواد الشارع إلفة، هؤلاء يعرفون أمزجة «المدنيين»، وما قد يلقونه من محاضرة بالحقّ المدني، وحقّ التظاهر وحدود واجبات قوات الأمن. لكن الأمر لن ينتهي، ففي حالات التظاهرات التي تطالب بإقالة أحد القادة الأمنيين، أو إيقاف الفساد، تقوم القوات الأمنية بملاحقة المتظاهرين واعتقالهم او ترهيبهم في شارع المتنبي أيضا، مثلما حصل في شهر تموز الفائت.في موازاة ذلك، هناك تظاهرات «ثقافية» مخصصة للمتنبي. مثل التظاهر من أجل إعادة مدير دائرة السينما والمسرح إلى منصبه بعد أن تمت إقالته واستبداله بشاعر مقرّب من أحد الأحزاب النافذة. أو التظاهرة المطالبة بإقالة مدير عام دائرة الفنون الموسيقية، والتي لا تزال تجري كل يوم جمعة حتى الآن. والتحركان لم يؤديا الغرض المطلوب منهما بعد.في آذار 2007 تعرّض شارع المتنبي لتفجير كبير أدى إلى مقتل العائلة التي تدير مقهى «الشابندر»، وهو المقهى الوحيد الذي يقع في نهاية الشارع. لم يكن المثقفون يائسون حينها، على الرغم من مشهد الدمار الكبير. سارع بعض الشعراء إلى قراءة الشّعر فوق ركام ورماد التفجيرات. كان مشهداً نابضاً بالحياة. فلم يبق للمثقفين والعائلات المدنية التي تبحث عن الكتاب غير هذا الشارع. حاولوا الدفاع عنه حتى في ركامه. لم يؤبنوه، بل أحيوه. وإصرارهم دفع الحكومة إلى ترميمه مجدداً، لكن أرواح الموتى لم يكن باستطاعة أحد إعادتها، فعلّقت صورهم في المقهى.وفي ظلّ التفجيرات التي تتصاعد في العراق من دون رادع، تخاف إيفان حكمت، وهي فنانة تشكيلية، أن يتم استغلال الثغرات الموجودة من قبل أحد الانتحاريين الذين يتكاثرون في البلاد.يبدو خوف حكمت مبرراً، فللمتنبي مدخلان، أولهما من شارع الرشيد، والثاني من سوق السرايا، يبدو مدخل الرشيد مؤمناً جيداً برجال الأمن، حيث يفتّش كل داخلٍ إلى الشارع، أما من جهة السرايا فالأمر متروك لحماية إلهية. بإمكان أي انتحاري مدجّج بالعقيدة الباطلة الدخول، وعلى الرغم من خوف حكمت، إلا أنها تذهب هي وزوجها المصمّم الطباعي كل أسبوع تقريباً إلى المتنبي للقاء الأصدقاء وشراء كتب جديدة.ويبدو شارع المتنبي «سوقاً للتصريحات». فالفضائيات ترسل مراسليها كل جمعة إلى «شارع الثقافة» من أجل الحصول على التحليلات السياسية والآراء الاجتماعية والثقافية. والنساء هنا لا ترعبهن الكاميرات، يكن جاهزات تماماً لأي حوار تلفزيوني. كما أن الخوف و«الحديث الراكز» متواجد أيضا، والفضائية التي تبحث عن إدانة الحكومة لها ما تريد، والموالية أيضاً ستحصل على مرادها.ترى منى العكيلي، وهي طالبة تهوى الرسم، أن شارع المتنبي هو المكان الوحيد الذي باستطاعتها المشي فيه من دون ان تتعرض للمضايقة أو التحرش. وهي تقصد الشارع من أجل شراء الكتب والألوان والتعرّف على مثقفين يمكن أن يساعدوها في إيجاد الكتب التي تستفيد منها في ترسيخ «تجربتها التشكيلية».طيلة أيام الأسبوع يبدو شارع المتنبي خالياً. لا يذهب إليه إلا الطلاب الباحثون عن مراجع لدراستهم العليا، أو الكتب المدرسية، أو تجّار الورق والقرطاسية، ويبقى باعة الكتب ينتظرون كل جمعة من أجل إحياء سوقهم الذي بدأ يزدهر بالبيع في السنوات الثلاث الماضية، بحسب أبو بلال، وهو البائع الشهير في الشارع.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *