خبير اقتصادي: بدون القضاء الفعلي على الفساد لن ينجو العراق من أزماته المالية
آخر تحديث:
بغداد/ شبكة اخبار العراق- قال الخبير الاقتصادي منار العبيدي، الخميس،أنّ ما جرى مطلع عام 2026 ليس قرارًا مفاجئًا ووليد لحظة سياسية، بقدر ما هو تنفيذ متأخر لقوانين نافذة ومشروع أتمتة طال انتظاره. وأضاف العبيدي بأنّ التعرفة الجمركية التي أثارت الغضب ليست اختراعًا حكوميًا جديدًا، بل منصوص عليها في قانون التعرفة الكمركية رقم (22) لسنة 2010، الذي أقرّه مجلس النواب قبل أكثر من عقد، لكنّه لم يُطبَّق فعليًا بالشكل الكامل طوال السنوات الماضية.السوق العراقية عاشت طيلة تلك الفترة على مزيج من الرسوم المخفّفة، والاستثناءات، والالتفاف على النصوص، قبل أن تقرر الدولة فجأة أن تعود إلى القانون كما هو تقريبًا. لذلك شعر التجار بأنّهم أمام “صدمة تعرفة”، لا لأنّ القانون جديد، بل لأنّ تطبيقه جاء بعد أن بُنيت الأسعار والعقود وهوامش الربح على واقع مختلف تمامًا.إلى جانب ذلك، يشير العبيدي إلى آلية جديدة أصبحت جزءًا من المشهد: الاحتساب الجمركي المسبق. لم تعد الحوالة الخارجية تمرّ بسهولة عبر المصرف من دون رابط واضح بالبضاعة التي تقابلها. اليوم تُحدَّد الرسوم والالتزامات الكمركية بشكل أولي قبل إجراء التحويل، وتُستوفى عند دخول البضاعة. الهدف المعلن هو تضييق المساحة أمام التحويلات الوهمية والفواتير المضخّمة، التي كانت تُستخدم لتهريب العملة الصعبة إلى الخارج من دون أن تصل إلى السوق سلع حقيقية بالقيمة نفسها.وفي المستوى الثالث، بدأت الدولة باستخدام نظام الأسيكودا في أتمتة المنافذ وتطبيق ما يُسمى بالتأمينات الضريبية على البضائع المستوردة. الفكرة بسيطة في ظاهرها: عند دخول الشحنة تُستوفى نسبة محددة كتأمين ضريبي يُحتسب لاحقًا ضمن ضريبة الدخل على أرباح الشركة، بحيث تتحول الضريبة من تحصيل مؤجَّل ومليء بالثغرات إلى عملية استقطاع تدريجي متصل بكل عملية إستيراد.هذه الخطوات جاءت بعد إكمال مشروع أتمتة الكمارك والمنافذ الحدودية، وهو مشروع تأخر لسنوات واستفاد من تعثره كثيرون؛ من شبكات تهريب، ومعابر غير رسمية، وحيتان تعاقدات بَنَت أرباحها على منطقة رمادية بين الرسمي وغير الرسمي. ومع تشديد الرقابة على الإستيراد والتحويل، انكمش الفضاء الذي كان يسمح بتهريب العملة وتضخيم الفواتير عبر النظام المصرفي، إذ اضطر الباحثون عن الدولار لأغراض غير مشروعة إلى اللجوء أكثر إلى السوق الموازي، وهو ما أسهم في رفع السعر خارج القنوات الرسمية وزاد الضغط على الأسعار المحلية.في هذه الأجواء، ظهرت حزمة أخرى من الإجراءات: ضريبة على كارتات الهاتف، مراجعة كمارك الأدوية، وزيادة الرسوم على بعض السلع المستوردة والسيارات. رسميًا، الهدف هو رفع حصة الإيرادات غير النفطية في الموازنة، لكن هذه الخطوات لم تمرّ من دون أسئلة حادة حول توقيتها، وعدالتها، ومن سيدفع الكلفة فعلًا.