رسالة نصح عراقية متأخرة

رسالة نصح عراقية متأخرة
آخر تحديث:

بقلم:د. ماجد السامرائي

في دائرة العلاقات الإنسانية المُصغرّة، أو ما يتعداها لعلاقات اجتماعية أوسع، توجه النصائح من رعاة السلوك الاجتماعي العائلي أو الاجتماعي لسلوك مضر، صادر عن فرد أو جماعة. مضامين النصائح العودة إلى التفاعل والانسجام والتمسك بالقيم الإيجابية السائدة، مع التحذير المتصاعد ببيان مخاطر سلوك المستهدف على نفسه، إذ يقوده ذلك السلوك إلى الوقوع في دائرة الانحراف الإجرامي المُضرّ، الذي يتطلب الدخول في ميدان العقوبات حسب حجم الانحرافات والجرائم لعزل المجرم وتجريده من الحقوق العامة، تفرضها راعية المجتمع الدائمة الدولة. رسائل النصائح إن حصلت في وقتها بمثابة إنذار وقاية للطرفين المتورط والمتضرر.

أما في عالم السياسة، فقد أوجدت قوانينها وأعرافها العامة نظما وسياقات تقليدية متوارثة، جعلت من الأحزاب الطرف النافع المدافع عن مصالح المواطنين لتقليص أو إنهاء الأضرار وحجر مدبريها ووضعهم في خانة خصوم وأعداء الشعب.هذه البديهيات العامة أحاول في هذه السطور عكسها ببساطة على مسرح الواقع السياسي في العراق بعد عام 2003، الذي أصبحت عملية نقل المسارات وتراث التقاليد السياسية وحتى الإنسانية فيه مقلوبة بصورة تامة لصالح منافع الأحزاب وقادتها، الذين ابتعدوا عن عناوين السياسة إلى عالم النهب المالي والفساد الأسطوري. هذا ليس اجتهادا أو رأي خصوم سياسيين للعملية السياسية التي تلفظ هذه الأيام أنفاسها الأخيرة.

أيّ قوة سياسية في العالم إن كانت حاكمة تسعى لتجديد حكمها، أو ساعية للسلطة وفق أيّ قوانين للحكم عدا أن تكون وفق الديمقراطية، عليها أن تقدم للناس أدلة عملية على حسن أدائها، عبر كشف الحساب المتعارف عليه. هذا اختفى في الحالة العراقية. بديله البائس المتخلف “نحن الشيعة أحق بحكم العراق”، حتى لو افتقد هذا الحق في الواقع إلى الإنجاز، سوى لأسرهم ومريديهم وناقري دفوفهم المثقوبة، وقتل الخصوم واغتيال الرأي والكلمة الحرة وحرمان الشعب من الحدود الدنيا للحقوق. تسويق هذه القدسية المزيّفة وحده ما تمتلكه هذه الأحزاب. 

بلا مبالغة، هيمن على قادة الأحزاب المذهبية الشيعية المُتسلطين الأوائل بعد 2003 على الحكم في بغداد يساندهم شركاؤهم الأكراد ومواليهم السنة، شعور أسطوري بسبب استمرارهم الطويل في الحكم بأن السلطة نزلت عليهم هدية من سمائهم ومن تقاليدهم وشعائرهم المتخلفة المستوردة، ولا توجد قوة سياسية أو شعبية عراقية قادرة على نزع هذه السلطة “إحنا ما ننطيها”، حسب العبارة الشعبية الشائعة لرئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي. ما عليهم سوى الاستمرار في عالم الدجل والكذب على الجمهور الشيعي الذي كشفهم وخاصمهم في السنوات الأخيرة. والتمسك باجترار عقلية المؤامرة المتخلفة التي لم تعد تشتغل في عالم التواصل الاجتماعي الحالي.

نشوة البطل القاتل الدكتاتوري المنفصل عن الواقع المتمتع بجرائم اضطهاده للناس ومنع وصول حقوقهم لأطفالهم، مُفزعة لجميع القيم الإنسانية. يتمتع برؤية جياع الشعب يبحثون عن لقمة خبز في قمامات الزبالة أو موت مريض في مستشفى تحولت إلى مأوى للحيوانات، أو استقطاع راتب تقاعدي لموظف أفنى عمره في أداء الواجب، وحرمان الشباب من حق التمتع بثروات بلدهم كحال البلدان المثيلة بالثروة، كبلدان الخليج مثلا.

المفصل الأخطر الذي نفذته الأحزاب ضد شعب العراق تجاوز السياسة أو الإنجاز أو سرقة المال العام إلى تنفيذ أخطر مشروع في تاريخ البشرية، على المستوى الاجتماعي الإنساني العراقي. نفذ أعداء شعب العراق من العاملين على إنهاء معالم شخصية هذا البلد التاريخية مشروعا تخريبيا في تحويل بعض ملامح التوزيع العرقي والطائفي الى مفجرات للاحتراب خدمة للمشروع السياسي الطائفي في الحكم.

وضعوا وصفات لتسهيل اللعبة الطائفية، كقصة الأغلبية السكانية الشيعية رغم عدم دقة الإحصائيات السكانية حتى لو صحت لا مكان لها في عالم السياسة الحاضر، خصوصا العالم الديمقراطي الذي يتشدقون برايته.

لم يتوقفوا عند هذه الحدود، بل غرزوا خناجرهم المسمومة في جسد هذا الشعب المتعايش لمئات السنين. لم يعد لتلك العلاقات الإنسانية وحتى الفردية مكانة، فقد حلّت ببرامجهم الخبيثة سياسات استثمار حاجة المواطن للمال لسد حاجاته  للعيش، تضاءلت المحبة والنخوة إلى حدودها الدنيا بحلول مصالح النفعية وكسب المال محركا للعلاقات العامة والخاصة. لكن لم يتمكن البرنامج الخطير هذا من محو تلك القيم الاجتماعية والإنسانية الرائعة التي تحضر بقوة هذه الأيام.

أمثلة قريبة من بلدان العرب تشير إلى كذبة “الأغلبية الطائفية” تجربة السلطة في لبنان بعد نهاية حرب الخمسة عشر عاماً الطائفية عام 1989، التي قننها اتفاق الطائف السعودي، وما زالت سارية في توزيع سلطة البرلمان على أساس خمسين في المئة للمسلمين والنصف الثاني للمسيحيين، فالشيعة اللبنانيون أقلية.

الذي حصل أن الشيعية الإسلامية متمثلة بحزب الله وكيلا للمرشد الإيراني علي خامنئي هي التي هيمنت. وتفوّق حزب الله الذي هيمن على الحكم بسلاحه على منظمة أمل الشيعية، ثم بنفوذ ميليشياته ضم غالبية قادة السياسيين المسيحيين كجورج عون وغيره، وأرغم المسلمين السنة على التقوقع والانسحاب. إذن فكرة الغالبية الشيعية خدعة سياسية حتى وإن كانت سائدة شكلياً عند البسطاء من شيعة العراق المنتعشين بلا فائدة حقيقية من قصة الغالبية الشيعية.

قدم التاريخ السياسي العالمي المعاصر نماذج أقل قسوة وإجراما من حالة الحكام الدكتاتوريين الحاليين في العراق، لكن الشعوب لم تنتظر حضور “المهدي المُنتظر لينقذها”. حكام مثل ستالين وهتلر وموسوليني وفرانكو وغيرهم قدموا نماذج الطغاة المستبدين، لكنهم نالوا جزاءهم من شعوبهم.

نماذج دكتاتورية كانت إيجابية في سلطتها، وظفت الحكم الفردي لصالح بناء شعوبها. أمثلة كثيرة مثل :الدكتاتور التركي كمال باشا أتاتورك (1922 – 1983) مؤسس عصرنة تركيا وناقلها من حكم الدين الى العلمنة. وجوزيف تيتو الذي وصف بالدكتاتور لكنه أقام دولة شيوعية ليبرالية. لي يوان يو (1959- 1990) بقبضته الحديدية نقل سنغافورة من بلد متخلف ليصبح دخل الفرد فيه الثالث على المستوى العالمي. كذلك رئيس رواندا الأفريقية بولكا غامي، أنهى الحرب التي قتلت 800 ألف شخص وجعل رواندا من أغنى البلدان في أفريقيا. وفي أميركا اللاتينية سيمون بوليفار كان دكتاتوراً لكنه حرر فنزويلا وباقي بلدان أميركا اللاتينية من الاحتلال الإسباني.

أقسى الدكتاتوريين هم حكام الأوتوقراطية المنغلقة، لاعتقادهم أنهم يحكمون باسم الدين والمذهب عبر وسيط مرشد أعلى لا يُعارَض. وهذه هي الكارثة التي حصلت في العراق.

لهذا، وللكثير غيره من الظواهر والأمثلة لكارثة العراق الراهنة، ضاقت آفاق رسائل النصائح السياسية والشعبية لقادة هذه الأحزاب وفق التقاليد المعروفة بالمعارضة الإيجابية، أو غيرها من السبل.

حالة الحكام المستبدين الحاليين في العراق انتقلت من معادلة احتمالات المصالحة بينهم وبين الشعب عبر رسائل النصح والتنبيه وعبر مختلف وسائل الإعلام والتواصل، إلى واقع معركة صراع وجود ستنتهي قريباً لصالح صاحب القوة الحقيقية المنتصر هو شعب العراق.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *