نحوَ إعادةِ النظرِ في وظيفةِ الأدب

نحوَ إعادةِ النظرِ في وظيفةِ الأدب
آخر تحديث:

دوروثي هول

ترجمة: د. فارس عزيز المدرس

  هناك قدْرٌ كبيرٌ مِن الالتباسِ اليوم في وظيفة الأدب، ويرجع ذلك إلى أنَّ المشكلاتِ الكبرى في عصرِنا صارت تتعلَّقُ بالتنظيمِ الاجتماعي، وبالاضطرابات النفسية التي نعانيها، فصِرنا نميل إلى اعتبار الكتابةَ الإبداعيةَ (ذاتَ الإدراك العالي) وظيفةً اجتماعيةً؛ نطالبها بحلِّ مشكلاتِنا والتعليق عليها. 

عبّر ڤان ويك بروكس خيرَ تعبيرٍ عن الموقفَ السائدِ تجاه الأدب؛ في مقالتِه “حول أدبنا اليوم”؛ يقول: “إننا نعيش في عالم تعيس للغاية … وللجمهور الحقُّ في أنْ يتوقعَ مِن أدبائه أنْ يُنيروا له الطريق؛ لحل مشكلاته وبناء مستقبل أفضل. وقليل مِن الكُتّاب الآن مَن يرتقي إلى مستوى هذه التوقعات. ومع ذلك لا يزال الإيمانُ بالأدب قائماً، لأنَّ العديد من الكُتّاب في الماضي أدّوا وظيفتهم العامة الحقيقية.

لا يسع المرء إلا أنْ يتعاطفَ مع هذا الموقف “ في زمنٍ يبدو فيه العالمُ في أمسِّ الحاجةِ إلى الإنقاذ، ومن غير اللائق؛ بل ومِن الانتحار أنْ يقف الأديبُ منعزلاً. فضلاً عن  أنّ الأدبَ – بوصفه وظيفة اجتماعية – يُقدّم إطاراً بسيطاً وموحّداً لظاهرةٍ واسعةٍ ومتشعبة، إذ يُدرس في ضوء أفكار عصره وتطلعاته، ويُحكم على نجاحِه بمدى تحقيقِ هذه الأفكار والتطلعات، لذا أرى أنّ التفكيرَ في ماهية الأدب ووظيفته أمرٌ بالغ الأهمية؛ لسببين:

أولاً: وهو مهمٌّ لمَن يسعون إلى إنتاج وفهم الكتابة الإبداعية، ويبدو أنَّ بعضَ أدبائنا المعاصرين يعانون حالةً شديدةً مِن الوعي الاجتماعي الإلزامي؛ وهذا ينتج بحةً في الصوت وصخباً، وهو أمرٌ مزعجٌ أيضاً للروائيين، الذين عليهم أحياناً تنظيف حناجرهم.

ثانياً: مِن المناسبِ التذكيرُ بالتجريبِ الهائل والواعي في الأشكال الأدبية الذي شهده العقدان الماضيان؛ وهذا لا يعني أنَّ التجريب في الأدبِ كان سيئاً؛ بل على العكس فقد أثرى ذلك بشكلٍ كبير إمكانياتِ التعبير الأدبي، ومن المتوقع أن يُنتج قبلَ انحسار هذه الموجة أعمالاً من الطراز الأول. وقد أسهم كلٌ من دوس باسوس، وفوكنر، وجويس على سبيل المثال بشكلٍ ملحوظ في جعل شكلِ الروايةِ أكثرَ مرونة، وفي تطوير تقنيات للتعامل مع المواضيعَ الجديدةِ والمعقدة.

وفي الواقع فإنَّ أبرز ما يُميز النقدَ الأدبيَّ المعاصر انشغالُه بالمشهدِ الاجتماعي، ومن المثير للاهتمام أيضاً أنَّ أكثر التعليقات حماساً؛ حول الشكل؛ جاءت من نقادٍ استعرضوا نظريته الاجتماعية أولاً ووجدوها جيدة.

يمكن توثيق مدى انشغالِ بعضٍ أبرز نقادنا ولاسيما ذوي الميول الليبرالية بالرسالة الاجتماعية للمؤلف؛ من خلال مراجعاتِ رواية “أن تملك أو لا تملك” لهمنغواي. فقد اتفق كلٌ من مالكولم كولي، وكليفتون فاديمان، وإدموند ويلسون على أنَّ الروايةَ ضعيفةٌ بالنسبة لهمنغواي، وأضافوا جميعاً تعليقاتٍ غريبة تبعث على الأمل؛ إذ ووجدَ إدموند ويلسون أنَّ الشيءَ الوحيد الجيد في الرواية هو استنتاجها بأنَّ “محاربة العالم السيئ بمفردِك أمرٌ ميؤوس منه”. يقول ويلسون: إنَّ أعمالَ همنغواي “تُعدُّ نقداً للمجتمع: إذ استجاب لكلِّ ضغوط المناخ الأخلاقي السائد في عصره؛ في جذورِ العلاقات الإنسانية؛ بحساسية لا تُضاهى”. 

أمَّا السيدُ كولي الذي صنّف رواية “أن تملك أو لا تملك” في مرتبة “تلال أفريقيا الخضراء”، فيأمل في أن تُبشّر النزعة البروليتارية في نهاية الرواية ببزوغ فجر جديد ومُفعم بالحيوية لهمنغواي. وكان كروننبرغر، مثل السيد كولي، واثقاً مِن أنَّ همنغواي في تناوله الموضوعات الاجتماعية سيُزهر. وقال السيد فاديمان: “هناك شيء متردد في هذا الكتاب، ليس من الناحية الفنية؛ بل من الناحية الفكرية؛ إذ يبدو وكأنه عملٌ فاصلٌ، عالق في حيرةٍ وترددٍ بين عالمين”، أيْ أنَّ السادةَ الأربعة كانوا يأملون أنْ يتحوَّل همنغواي إلى روائي ذي تأثير اجتماعي.

وقد تبيّن لاحقاً أنَّ جميعَ هذه التعليقات كانت في محلِّها، لكنَّ الأهمَّ في هذه الآراءِ كشفُها عمَّا يريده النقاد، والشروط التي يقيِّمون بها الكتبَ، والضغط الذي يمارسه هذا التفكيرُ على الفنان الذي يكافح لإنتاجِ عملٍ ناضجٍ ذي قيمة.

ولنأخذ على سبيل المثال الإشاداتِ الواسعة التي قُوبلت بها رواية “عناقيد الغضب، لـ جون ستاينبيك، التي نُشرت عام 1939” ولا تختلف كثيراً عن ردودِ الفعل النقدية تجاه رواية “كوخ العم توم”. يقول ويلبر شرام في مجلة “فيرجينيا كوارترلي”: “لا يوجد كتابٌ أمريكي في عصرنا أكثر تأثيراً، ويُجسّد بشكل أفضل ما يمكن أنْ تكونَ عليه الروايةُ البروليتارية.

 يرى ليون ويبل في مجلة “سيرفي غرافيك” 1939: أنَّ الأوضاع في كاليفورنيا تجاوزت بالفعل ما وصفه شتاينبك، ويلمّح إلى أنَّ هذا هو السببٌ في أنَّ “عناقيدَ الغضب” قصةٌ رائعة. وبحسب جورج ستيفنز فإنها ليست روايةً اجتماعيةً كمعظم الرواياتِ الاجتماعية؛ بل هي ما ينبغي أنْ تكونَ عليه الرواية الاجتماعية … ولا شك في أنَّ ستاينبك ينظر إلى مادته على أنها سردٌ وحالةٌ تستدعي العمل.

ومن الأمثلة المتطرفة على النقد الاجتماعي ما يقدمه الحزبُ الشيوعي من إلهاماتٍ للأدب. فمسرحية “لمن تُقرع الأجراس؟” – كما يُقال لنا – عمل فنيٌّ رديءٌ؛ لأنَّها لا تُقدم سوى رؤيةً جزئيةً ومنحازة لنضال العمال في أسبانيا، وهي لا تُظهر على سبيل المثال الحملةَ المبهجةَ ضدَّ الأمية بين الجماهير، ولا إيمان ومثالية الألوية الأممية. هذا النوع من النقد متطرف و”مُتحيز” بشكلٍ واضحٍ؛ إلى درجةِ أننا لا نجد صعوبةً في اعتباره نقداً غير أدبي على الإطلاق. لكنْ مِن الصعب إدراك أنَّ بعضَ نقادنا الليبراليين يقعون أيضاً – وبدرجة أقلّ- في هذا الالتباسِ نفسِه، ثمَّ ماذا عن نقَّادِ المسرح الذين يمنحون جوائز بوليتزر، وجوائز دائرة نقاد الدراما؛ لمسرحيات مثل “لن يكون هناك ليل” و”الحراسة على نهر الراين”، والتي تمَّ اختيار توقيتها لتتناسبَ مع مشاعر تلك الفترة.

… أرى أنَّ نقطةَ القوةِ في حجةِ “الوعي الاجتماعي” تكْمن في أنَّ معظم الأُدباءَ يعانون من العزلةِ الشديدة عن التيارات الفكرية والعاطفية السائدة في عصرهم، وقد تُنتج المنعزلة فناً عظيماً، لكنَّ فرصَ نجاحه ضئيلة، ولعل أحدَ أسبابِ ضعفِ إنتاجِ الكاتِباتِ في مجالاتٍ غير الشعر؛ وقلة تأثيرههن – مقارنةً بالكتَّاب – هو أنَّ النساءَ عموماً يعشن حياةً أضيقَ نطاقاً، وأكثر انعزالاً من الرجال، ولا يلاحقن التغيراتِ الاجتماعية بالقدر نفسه. 

ومع ذلك يبدو أنَّ هناك مغالطة كبيرة في افتراض أنَّ التنظيم الاجتماعي والعلاقات الاقتصادية هما المشكلة الإنسانية الوحيدة ذات الأهمية، ومغالطة مماثلة في مطالبة الكاتب بأنْ يكون خبيراً في هذه الأمور، كموسى يقودنا للخروج من الركود الاقتصادي الحالي. لا بدَّ إذن للكاتبِ من التفاعل مع المجتمع، لكن مطالبة المرءِ بمعرفة الإجابات؛ كما يعرفها الاقتصاديون وعلماء الاجتماع تبدو لي سوءَ فهمٍ تامٍّ للوظيفة الأساسية للأدب، وهو ما يقودنا إلى السؤال المحوري في طرحنا هذا.

للوهلة الأولى قد يبدو أنَّ هذه الوظيفة لا يمكن اختزالها في صيغة واحدة، ولنتساءل: ما القاسم المشترك الذي يجمع كلَّ الأنواع أدبية مثل الرواية التاريخية، والرواية البروليتارية، ورواية الحياة المحلية، والكوميديا الاجتماعية، والمأساة الشكسبيرية، والمسرحية الإشكالية، وشعر الثورة؟؛ يجمعها على الأقل شيءٌ واحد: أنها تمثل أفعالاً وأفكاراً خيالية لشخصيات خيالية (ففي كتابة الشعر؛ يكون الشاعر “شخصية خيالية” – لا يدّعي أيُّ شاعرٍ أنه “الأنا” الحقيقية في جميع قصائده). ومن الواضح أنَّ الأفعالَ والأفكار الخيالية لشخصيات خيالية ليست بديلاً مُرضياً للتاريخ، إن كنا نريد التاريخ؛ أو للعلوم الاجتماعية حقاً فهمَ المشكلات الاجتماعية، والقول بأنَّ الهدف الرئيس للأدب تجسيدُ التاريخ درامياً أو تبسيط العلوم الاجتماعية، سيختزل الأدب إلى مجردِ دعاية، أمّا إذا فعل ذلك عَرَضاً؛ فلا بأس، لكن هذا ليس جوهر الأدب.

إنَّ المهمةَ الأساسية التي يمكن أنْ يقومَ بها الأدبُ من خلالِ أفعال وأفكار شخصيات خيالية تعبيرٌ متحررٌ مِن قيود الزمان والمكان التي تتشكَّل فيما يُسمى الواقع، عن مجموعة من القيم. يقول الروائي أو الشاعر أو الكاتب المسرحي: “هذه الأشياء جيدة، وهذه سيئة، هكذا هي الحياة، وهذه هي قيمةُ تجاربنا الإنسانية المختلفة … هكذا تبدو الحياة”.

إنَّ الأدبَ استكشافٌ للقيم التي نعيشها، ويختلف عن الدين في كونه ليس علماً قائماً بذاته، وعن الفلسفة في رغبته في الفهم بالعاطفة كما بالعقل، فهو دليلنا الأسهل إلى القيمِ التي وجدها الحساسون والمميزون في حياتهم، وبالتالي فهو مصدرٌ غنيٌّ بالاقتراحاتِ لحياتنا. 

إن عبارةَ (الكُتّاب ليسوا متخصصين في الاقتصاد وعلم الاجتماعية … ) صحيحةٌ، ولندع علماءَ الاجتماع والاقتصاد يتولون الأمر فلديهم عملٌ خاصٌّ بهم؛ لا يمكن لأحد غيرهم القيام به”؛ لكنها عبارة بحاجة إلى توضيح؛ ولنتأمل كم يكاد يكون من المستحيل إيجاد عملٍ روائي لا يستطيع القارئ فيه معرفة رأي المؤلف في شخصياته، وما يعدُّه “الحياة الجيدة” أو الطيبة. ولا يشترط أن تُذكر مواقفه صراحةً: فهي الأصل الذي ينبع منه كلُّ ما يحدث.

 قد لا تتطابق “الحياة الجيدة” كما يراها الكاتبُ مع الأخلاقِ المتعارف عليها، لكنَّها على الأقلّ تمثل فكراً حول هذا الموضوع؛ من شخصٍ جعل مِن التفكيرِ هاجساً واعياً أو غير واعٍ، ولا يعني هذا الدعوةَ إلى “الأخلاق” في الأدب، فالكاتبُ الذي يتبنَّى أخلاقاً ضيقةَ الأفقِ أو يحاول “الحكم” على شخصياته بشكلٍ صريح؛ لا يحقِّق نجاحاً يُذكر. ومع ذلك فهو في جوهره كاتبٌ أخلاقي، وعليه أنْ يكشفَ، ويحكم؛ ليس على الناس فحسبُ، بل على الإمكانياتِ الكامنةِ في الحياة نفسها.

ويتجلَّى هذا الأمر في أعمالِ جون دوس باسوس؛ إذ يمتلك كلَّ ما يُعجب به أصدقاؤنا ذوو الوعي الاجتماعي، لديه موضوعٌ اجتماعي وإبداعٌ تقني، وقدرةٌ ممتازة على سرد القصص، وفي سيرته الذاتية تعاطفٌ عميقٌ مع الفقراء والمستضعفين. ومع ذلك يتزايد الشعور بالقلق بأنَّ شيئاً ما ينقص عمله. وقد وصف النقادُ هذا النقص بأوصافٍ مختلفة؛ منها انعدامُ الفكاهة، وجمود الشخصيات، والانهزامية. وأتساءل إنْ كان الأمرُ يتعلَّق بأيٍّ من هذه الأمور؟ … لا نعرف في أيِّ موضع يفكر فيه دوس باسوس بشخصياته، فهو لا يُقدم لنا أيَّ تصورٍ عمَّا ينبغي أن يسعوا إليه، وبالتالي لا نستطيع قياس فشلهم ولا حجم الصِعاب التي تواجههم. وباختصار أضعفَ السيد دوس باسوس حجته الاجتماعية بشكلٍ خطير؛ برفضه الكشفَ عن الأساس الذي ينتقده. والنتيجة هي وجود بشر في فراغ؛ وضعٌ لا نلتقي فيه أبداً ببشر حقيقيين. 

ومثالٌ آخرُ مشابهٌ في رأيي كتابُ: “موعد في سامراء” لجون أوهارا – وهو وثيقةٌ اجتماعيةٌ؛ إنْ صح التعبير، ونسخةٌ دقيقةٌ للغاية من أحاديث نوادي الريف في عشرينيات القرن الماضي، ولكنه، كعملٍ فنيٍّ، يفتقر إلى التوجيه. أمَّا كتابُ “بابيت” لسنكلير لويس، والذي يُعدّ تقريراً صحفياً بقدر كتاب السيد دوس باسوس أو السيد أوهارا؛ لكنه يمنحنا كقراء إحساساً مختلفاً تماماً. ومهما بدا لنا الأمرُ واضحاً فإننا على الأقل نعرف موقف لويس؛ ونعرف ما إذا كنَّا نتفق معه أم لا.

لنأخذ جيمس فاريل؛ الذي يُشتبه بشدةٍ في عدم إنتاجه “أدباً” في نسخه لأحاديث الإيرلنديين في شيكاغو؛ فبالنسبةِ للسيد فاريل يمكننا القول: على الرغم من أنَّ عملَه يفتقر إلى الإيجاز في التفاصيل، ومن أننا قد لا نرى الصورةَ كاملة أحياناً؛ إلا أننا على الأقل نعرف موقف فاريل من ستادز لونيغان، ومن المجتمع الذي ينتمي إليه. وبالتالي يمكننا تقبّل ستادز كإنسانٍ، والتعاطف معه، ولسنا مضطرين للتساؤل بقلقٍ عمَّا إذا كان فاريل يعتقد أنه كائنٌ غريب أم لا.

ولنأخذ ويليام فوكنر الذي يُحيّر النقادَ باستمرار ويجعلهم يبذلون جهوداً مضنية لإضفاء بُعدٍ اجتماعيٍّ مناسب عليه، ويبدو لي أنَّ إحساس فوكنر بالقيم ينبع من إيمانه بحرمة واستقلالية كل فرد. قد تكون شخصياته عنيفةً؛ مجنونة؛ غارقةً في الأحلام، لكن كلُّ واحدةٌ منها تمتلك هذا الكمال الداخلي الغريب، هذا الشعور بقيمة الذات، وأولئك الذين يحاولون إقامة هياكلَ ذات أهمية اجتماعية على روايات فوكنر؛ من الأفضل لهم أنْ يتأمَّلوا في هذه الحقيقة البسيطة والأساسية.

لا يمكن التعبير عن القيم في الأدبِ إلا من خلالِ الشخصية والعلاقات الشخصية، ولا يمكن التعبير عنها بشكل مجرد. 

ومن الأمثلة المثيرة للاهتمام على فراغ القيم – لا سيما أنها ليست بروليتارية – رواية “آخر المتزمتين” لسانتايانا، التي لم تلقَ رواجاً لأن شخصيتها المحورية كانت فكرة، وليست شخصية حقيقية.

إذا كان تصويرُ التجربةِ الإنسانية الأساسية والعلاقات هو الوظيفةُ الحقيقية للأدب؛ فإنه يترتب على ذلك أنَّ النهج النقدي الثالث للأدب؛ وهو دراسة القيم التي يقدمها؛ هو الأقرب إلى روحه. والأسئلة التي يجب أنْ نطرحها على أنفسِنا مَفادُها: ما هي فكرةٌ المؤلف عن “الحياة الجيدة”؟ ما الذي يُلقيه من ضوء على تجربة الحياة؟ وما مدى تتطابق تجربته المرويِّة مع تجربتنا، وهل الاختلاف – إن وُجد – ناتجٌ عن قصورٍ في ملاحظته أم في ملاحظتنا؟

هذه الأسئلة صحيحة سواءً طرحناها على كاثرين مانسفيلد، أو توماس مان، أو جيمس جويس، أو إرنست همنغواي، أو حتى على جون ميلتون أو شكسبير، فليس من المرجَّح أنْ يكون الفن خالداً، لكن من شروطه أن يتعمقَ بما يكفي ليظل راسخاً. ويظل الاختبارُ الحقيقيُّ للأدب تمييزاً له عن الدعاية أو الخطاب الاجتماعي هو قدرته على البقاء.

 لهذا السببِ يصعب الحكمُ على الأعمالِ المعاصرة، فنحن ندرك بوضوحٍ التشابه السطحي مع العصر، ونستنتج من تجربتنا الخاصة الحياة الداخلية التي قد نفتقر إليها، وغالباً ما نستطيع الحكم على مدى عمُقِ فهمِ الرواية للتجربة الإنسانية بعد أنْ تتلاشى المشكلةُ المعاصرة في الأفق فحسب.

إنَّ هذا الفهم هو الوظيفة الحقيقية والمميزة للأدب، منفصلاً عن غيره من أشكالِ النشاط الإنساني؛ إنها وظيفة بالغةُ الأهمية للمجتمع، وما نحصل عليه من الأدبِ ليس أفكاراً ولا نبوءات، بل صقلٌ للرؤيةِ، وتوسيعٌ للوعي؛ يصعب التعبير عنه بالكلمات، وفي نهاية المطاف، يكمن سبب صعوبة الكتابة عن الأدب في كونه يتناول القيم والمشاعر، وهي مشاعرٌ لا يمكن التعبير عنها بالكلمات. وبفضلِ علماءِ الدلالة بتنا ندرك الفجوةَ بين الكلمةِ والشيء؛ وبين الكلمةِ والشعور. وفي الحقيقة لا جسرَ لعبورِ هذه الهوة. علينا أنْ نقفز؛ وقدرتنا على القفز هي إحدى أعظم معجزات الوجود الإنساني.

إذن لا يحقق الكاتب تأثيره بالتصريح المباشر؛ بل بالإيحاء، ولا يستطيع أحدٌ تفسير هذه التأثيراتِ فينا، ليس لأنَّها غامضة كطعم الخبز؛ لا يمكن تفسيرها، بل لأننا نعيشها فحسبُ.

من الواضح أنَّ هذه الأطروحة لا تستبعد المواضيعَ الاجتماعية كموضوع مناسب للأدب، وفي الواقع؛ في عصرنا؛ هذا لا مفرَّ من اهتمامِ الكُتّاب بالقضايا الاجتماعية. وإذا كانوا مهتمين بالأدب فسيتناولون هذه القضايا لا بشكلٍ عقائدي أو فكري، بل مِن منظور القيم الإنسانية الفردية. وفي التحليل الأخير: لا معنى للأوضاعِ الاجتماعية والإصلاح الاجتماعي إلا بقدر تأثيرها على حياة الأفراد وتغييرها. لكن الحياة ليست سلعةٌ يجب استهلاكها فردياً؛ كما يتوهمون.

إذن فإصرارُ الأدبِ على القيمِ الفردية ليس مجرَّد عمىً أو انحراف. مع أنَّ مايكل غولد قد يردد أن “العاطفة الجماعية هي الأمل الجديد والحتمي للعالم”، إلا أنَّ التاريخ يا سيد غولد لا يشير إلى ذلك. تخلينا عن العاطفة الجماعية عندما تخلينا عن كوننا حيواناتٍ فطرية، منذ مليون عام تقريباً، وبدأنا نتساءل: “البقاء لأجل ماذا؟” هذا هو السؤال “غير الطبيعي” الذي انبثقت منه الحضارةُ الإنسانية.وأخيراً فالأدبُ (والرواية بالذات) يجب أنْ يقود، لا أنْ يُقاد، وإذا كان يُنير حقاً طبيعةَ التجربة الإنسانية، فإنَّه جدير بالثقةِ أينما قاد، وطالما أنه يُنير التجربة، فإنَّه سيؤدي “وظيفتَه العامة الحقيقية.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *