يتكلم لغة لا يقرأها !

يتكلم لغة لا يقرأها !
آخر تحديث:

ياسين النصير

حالتان متضافرتان، لمستها في وسطنا الثقافي، الأولى، ان البعض يتكلم لغة لا يقرأها، بل يقرأ رسومها، وهذه حال من يتلو القرآن  الكريم مثلا، وهو لايقرأ كلماته، أي انه يقع في وهم اللغة دون دراية بمعانيها ورسومها وتحليلاتها. والحال الثانية، يتكلم اللغة ولا ويقرأ ولا ينتج فيها شيئا، وهذه حال من يدعون انهم يتكلمون الفرنسية والألمانية والانجليزية والروسية، مثلا، ولكنهم لم يقرأوا فيها، ولم يترجم عنها ما يفيد انهم يفهمونها خارج متطلبات السوق، أو بضعة كلمات مخصصة لأغواء الغانيات في ليل باريس أو برلين أو لندن، او موسكو،  وعندما يتكلم مع الآخرين، وقد يكون شاعرا، أو روائيًا، او ناقدًا، يقول أنا قرأت الكتاب الفلاني بلغته الأصلية، ولكننا لم نشهد لهذا الشخص أن ترجم لنا هيجل أو ماركس، او شليغل او نيتشه، دوستويفسكي او شكسبير، أو أي من فلاسفة وروائي هذه البلدان، بحيث لم نجد للغات التي قرأها تأثير في شعره او نصوصه النثرية.

مثل هذه الحال تسود الآن في وسطنا الثقافي، بل وأصبحت مباهاة للتمييز، بين من يقرأ لغة اجنبية دون ان ينتج فيها شيئًا، وبين من يقرأ مترجمات متميزة لآخرين من هذه اللغات ويستطيع أن يتحدث عن تلك الثقافات أفضل بكثير من الذين يدعون الفهم عن طريق التكلم باللغة الأجنبية. 

ياليت الأمر يبقى ضمن حدود المشافهة الحوارية، في ندوة او في لقاء، بل أصبحت القضية هوية مضافة في زمن لايفقه المسؤول فيه معنى ان من يتكلم بلغة أجنبية يعني باستطاعته أن يفهم ما فيها، ولعلنا، ندرك الوضع بطريقة أكثر جذرية، فهذا الناقد المتميز في الثقافتين العربية والفرنسية، عبد الفتاح كليطو، يقول: «انا أتكلم كل اللغات بالعربية، مع أن ما يكتبه من بحوث متميزة يكتبها باللغة الفرنسية، ويعزو وجوده في اللغة العربية، إلى كونه عربيا تربية واسرة وفهما للعالم، مما يعني ان المكان المتأصل في تكوينه هو المغرب العربي، مع أن تعليمه، ودراساته كلها باللغة الفرنسية». 

ويدل هذا التركيب الشعوري بالإنتماء، إلى أن اللغة العربية ليست كلمات وابجديات، بل هي تكوين بايلوجي جيني كامن في الجسد والأمكنة تنميها العلاقة الأسرية ، بينما الفرنسية جاءت عن طريق التعلم والتعليم، وليست نتيجة لبنية اسرة فرنسية ولا لابوين فرنسيين.

 ترتبط نزعة التعالي هذه لمن يقرأ بلغة أخرى ولا يترجم عنها، بالذاتية، وليس بمفهوم جماعي، ولهذا فهي نزعة مرضية يعتقد صاحبها انه يتميز عن الآخرين لمجرد انه تعلم لغة أجنبية، ربما لن تسمح الظروف للآخرين، خاصة لمثقفي العراق من إكمال دراساتهم الجامعية نتيجة للعراقيل والملاحقات السياسية والحياة المعاشية التي تكفلوا بها لأسرهم، بينما سمح لاعوان السلطات وبعض الاشخاص الذين ولدوا هناك، أو ابتعثوا من الدراسة في الخارج، هذا لايعني تميزًا بقدر ما هو الكيفية التي ترجم بها هذا المغترب حياته. 

من هنا، لسنا في تقييم مثل هؤلاء أو نعتهم كما ينعتون من لا يتكلم لغة اجنبية بالمتخلف، متناسين ان الثقافة مهما كانت ليست إلا ترجمة واتصال وفهم لمجريات الحياة المحلية، قبل ان تمنح هذا الفهم لغة اجنبية. كل ما يحدث هو نوع من التفاعل مع الآخر، وهذه المرة سيكون التفاعل ليس نقل خبرات وترجمة كتب مهمه، بقدر ما يكون كسباً ماديًا كأن يكون هذا الشخص مسؤولا  لعمل صحفي، او مدرسا في جامعة بشكل مؤقت، أو ملقنا لطلبة الدراسات الثانوية دروسهم الأجنبية، أي كل ما في الأمر أنها عملية اقتصادية، وليست مهمة ثقافية لها نتائجها المعرفية.

في بلدنا المضطرب المفاهيم، نهضت خلال السنوات العشرين الأخيرة مجموعة من المترجمين الأكفاء، الأمر الذي طالبت به يوما أن يحتَضنوا من قبل الجامعات والمؤسات العليا، لأنهم ذخيرة استثنائية في تطورنا الثقافي والمعرفي وقدموا للثقافة العربية عصارة افكارهم ورؤاهم المعرفية بطريقة ذاتية دون أن يكلفهم أحد لادارة مجلة أو جريدة أو أن يكون محاضرا مؤقتا في جامعة، هؤلاء النخبة العالية الكعب هم من نتتلمذ على ترجماتهم وكتبهم وافكارهم ومشروعاتهم وما يخططونه لنا عبر ما اطلعوا عليه، لينقلوا لنا صياغات جديدة للمعارف الإنسانية، ويترجموا لنا مدارات فلسفية وأدبية لايمكن الاستغناء عنها، لهؤلاء أقول شكرا، اما لمن تعلم اللغة الأجنبية، فلا بأس من أن يكون مدعيا فارغا من أي إنتاج في اللغة التي يدعي أنه اتقنها.ربما اذكر بانجازات بعض مترجمينا الأفذاد، ولكني لا ادرج اسماءهم، خشية ان انسى بعض المعلمين منهم، ولكني اقول، ان المترجمين العراقيين اليوم هو الثقاة في ترجمة عيون الكتب الفلسفية والنقدية والفنية، فلهم وحدهم أرفع القبعة.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *