لا يمكن إنكار فكرة التراث وتبنّي المحلية وزجّها كميدان للتعبير الفني في خطاب الفن العراقي منذ ستينيات القرن المنصرم إلى يومنا هذا، فما تأسّس على يد جواد سليم كُتب له أن يبقى في الذاكرة والتصوّر الجمعي، ليس بوصف منجز هذا الفنان مثالاً حيّاً للعودة إلى الأصول، بل لأن فكرة التراث تصدح عند الجميع منذ أن تعلّم نفرٌ من الفنانين العراقيين في أوروبا بعد إرسال بعثات علمية وثقافية وفنية، فأصبح هاجس الفرد والجماعة في خمسينيات القرن المنصرم مولعاً بخطاب العودة إلى التاريخ والتراث.
وكان تأثير مدرسة الواسطي حافزاً وملهماً جعل فكرة تبنّي خطاب المحلية تلفت انتباه الجميع، وهو حراك يسير على وفق رؤية ومنهج ثقافي وجمالي، مع تجاذبٍ حدث يومها بين نزعة الحداثة وخطاباتها وتفسير التراث والتاريخ والدعوة إلى إحيائه في العمل الفني. فكان جواد سليم قطب الرحى الذي أوجد علاقة قوية بين قيمة الأساليب الغربية في الفن المعاصر وإدراج عناصر من الأشكال المحلية لتضفي مزيداً من الإحساس بروحية العمل.
وبما أن الحاجة يومها كانت مرهونة باتّضاح صورة العراق الذي يجلب إليه الأنظار جراء التوجّهات السياسية وبروز حركات فلسفية وفكرية ونتائج الحرب العالمية الثانية وما تركته من تداعيات، فإن كل هذه الأسباب وفّرت لمجموعة من فناني العراق في العام 1951 أن يؤسّسوا لفكرة جماعة فنية أُطلق عليها (جماعة بغداد للفن الحديث)، وهي حركة ارتبط خطابها في جدوى إحياء رموز تاريخية وميثولوجية وتراثية، لتحقّق أكبر قدر من توظيف المحلي والرمزي، وحتى عناصر من الفن الإسلامي داخل متن اللوحة.
لكن بصياغة فنية معاصرة ترتبط بنائياً بتصوّرات الفن الأوروبي، بينما تذهب توجّهات التعبير في اللوحة حيال استثمار التاريخ العراقي القديم وإدراك أهمية تراث المنطقة العربية، ومنها العراق، وترسيخ فكرة الموروث في العمل ضمن رسم أشكال ووحدات تكون ذات قدر عالٍ في الوجدان الجمعي. وهذا ما كشفته أعمال كلٍّ من جواد سليم في توظيفه للقباب والأهلة والأقواس الإسلامية، وإعادة تأكيد تصوير الحياة البغدادية، وأيضاً ما أدرجه شاكر حسن آل سعيد في خياراته الجمالية بالعودة إلى الموروث العراقي، فإن الأمر يومها كان مبدأً وإصراراً لتكوين فكرة مجابهة ضد توجّهات نزعة إقصاء التراث ومجابهته في خطاب الحداثة الغربية.
وهكذا أصبح وجود موقف فريد من نوعه يأتي عبر العمل الفني، مثلما أتى عبر الشعر ودعوات التجديد في النص الروائي والقصصي، فأصبح التراث مرجعاً جمالياً قُدّمت فيه تلك المجموعة الفنية عشرات الأعمال، وبرز منها على الساحة كل من «جواد سليم ولورنا سليم وشاكر حسن آل سعيد» ضمن مسعى فكري موحّد، ولكن بطريقة رسمت لكل فرد منهم خصوصية أسلوبية.
وأوضحت تلك الأعمال التي تغنّت بالموروث أنها بمثابة توجّه وخطاب يحمل العديد من الدلالات داخل متن اللوحة المسندية، فعناصر لوحة جواد سليم غير عناصر لوحة شاكر، وتعبيرات جواد ولورنا ونزيهة سليم تختلف عن تعبيرات محمد الحسني وخالد الرحال. وراهنت جماعة بغداد على أن تكون دافعاً واضحاً للأخذ بالفن إلى مصاف متقدّمة، وهذا ما التمسه المتلقي للمعرض الأول عام 1951، والمعرض الثاني بعد سنتين من إقامة المعرض الأول، وكان الناقد جبرا إبراهيم جبرا هو من ألقى بيان الجماعة في تلك الفترة.
ومن جهة ثانية برزت فكرة المتخيّل في العمل الفني عند الجماعة لتحيل العمل إلى أكثر سمة عاطفية من ضمن أشكال لها مرجعية تراثية ومحلية وإسلامية، كما رأيناها في أعمال جواد سليم وآخرين، كالقباب والأهلة والأقواس وحكايات ألف ليلة وليلة، سواء جاءت على نحو تجريبي في سياق الفن أو جزءاً من تصوّرات فكرية تحمل حيّزاً من مصادر ذات مرجعيات معروفة للجميع.