تمرّ إيران اليوم بواحدة من أخطر وأعقد لحظاتها التاريخية منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. فمع نهاية ديسمبر/كانون الأول، اندلعت احتجاجات عفوية في عدد من المدن والمحافظات، بدأت بدوافع اقتصادية واضحة، لكنها سرعان ما اكتسبت زخماً سياسياً عميقاً يعكس حجم الاحتقان الشعبي المتراكم منذ سنوات.كان الشرارة الأولى لهذه الاحتجاجات التضخم المفرط، والركود الاقتصادي، والانهيار المتواصل للعملة الوطنية. فالريال الإيراني فقد نحو نصف قيمته مقابل الدولار بحلول عام 2025، ليسجل في السوق السوداء مستوى تاريخياً متدنياً بلغ قرابة 1.4 مليون ريال للدولار، مقارنة بنحو 800 ألف ريال قبل عام واحد فقط.هذا الانهيار لم يعد رقماً في نشرات الاقتصاد، بل واقعاً يومياً يعيشه أكثر من 90 مليون إيراني، يستيقظون كل صباح على صعوبات معيشية قاسية: عائلات تتخلى عن وجبات الطعام، أحلام تُؤجَّل، وشباب يفقدون الأمل في مستقبل أفضل.
في بداياتها، ركزت الاحتجاجات على القضايا الاقتصادية والاجتماعية، لكن سرعان ما تحولت إلى حركة ذات طابع سياسي متصاعد، في ظل شعور عام بالإحباط وفقدان الثقة. ورغم انقطاع الإنترنت، أظهرت مقاطع فيديو نادرة حشوداً في شوارع طهران ومدن أخرى، مع إحراق مبانٍ عامة، وارتفاع أصوات تطالب بإنهاء حكم الجمهورية الإسلامية نفسها.هذه المشاهد أعادت إلى الأذهان احتجاجات 2019–2020 ضد رفع أسعار الوقود، وكذلك حركة “المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022 التي اندلعت بعد مقتل الشابة مهسا أميني، والتي كشفت عمق الفجوة بين النظام والجيل الجديد.
في البداية، اعترف النظام الإيراني بأن تدهور الأوضاع الاقتصادية كان سبباً رئيسياً للاحتجاجات، نافياً وجود دور خارجي. لكن هذا الخطاب لم يدم طويلاً، إذ عاد المرشد الأعلى علي خامنئي ليصف المتظاهرين بأنهم “مخربون” يعملون لإرضاء الرئيس الأمريكي.تزامن ذلك مع تهديدات من دونالد ترامب بالتدخل إذا قُتل مدنيون، ومع حملة قمع أسفرت – بحسب منظمة “إيران لحقوق الإنسان” – عن مقتل ما لا يقل عن 100شخصاً.
اتساع رقعة الاحتجاجات ليشمل تجار البازار والطلاب مثّل تطوراً بالغ الخطورة بالنسبة للنظام. فتجار البازار تاريخياً قوة مؤثرة، وخروجهم إلى الشارع يُعدّ مؤشراً على اهتزاز عميق في بنية الحكم.في المقابل، يعبّر الطلاب والجيل الجديد عن رفضهم لنموذج “الدولة العقائدية” ورغبتهم في العيش كغيرهم من شعوب العالم، بعيداً عن سياسات العزلة والمواجهة الدائمة.
رغم كل ذلك، لا تزال الجمهورية الإسلامية تضخ مليارات الدولارات في الميليشيات خارج حدودها، وفي برنامجها النووي، تحت شعار “محور المقاومة” في العراق وسوريا ولبنان واليمن. غير أن هذه السياسة فشلت فشلاً ذريعاً، إذ تبخرت الأموال دون مكاسب حقيقية، بينما بقي الداخل الإيراني مهمشاً، والخدمات الأساسية في تراجع مستمر.اليوم، تبدو هذه الأذرع الإقليمية هشة، وغير قادرة حتى على الدفاع عن نفسها، فضلاً عن حماية النظام الذي أنفق عليها ثروات هائلة.
ما يجري في إيران يذكّر بما حدث في الاتحاد السوفيتي بعد بريجينيف، أو في اوروبا الشرقية : انغلاق عقائدي، صعود الوصوليين والمتزلفين، إقصاء المثقفين والنخب، ثم انهيارات اقتصادية وسياسية وأمنية متلاحقة.وقد حذّر مسعود بزكشيان مراراً صناع القرار من انفجار الشارع، مشيراً في خطاباته إلى أن تجاهل الأزمة الاقتصادية سيقود البلاد إلى المجهول. لكن يبدو أن الشعار غير المعلن للنظام بات: “التضحية بكل شيء من أجل بقاء النظام”.
عام 2025 كان من أكثر الأعوام قسوة. حتى تحذيرات إخلاء طهران لم تلقَ استجابة فعلية، لأن ملايين السكان لم يتمكنوا ببساطة من تحمل كلفة المغادرة. ومع شبح حرب محتملة في أي لحظة، يعيش القادة والجنود حالة ضغط نفسي دائم، قد تؤدي إلى انهيار داخلي سريع، “دون طلقة واحدة”.إيران اليوم ليست الدولة القوية التي تروّج لها دعايتها الرسمية. الحرب الأخيرة كشفت هشاشتها السياسية والعسكرية والاستخباراتية من الداخل، وفقدانها نفوذها في سوريا وتراجع دور حزب الله، إضافة إلى العقوبات الدولية الخانقة.
السيناريوهات المحتملة متعددة:
سيناريو التفكك:
انهيار سريع للنظام قد يؤدي إلى تفتيت إيران إلى دويلات، في ظل تعدد الأعراق والأقليات. سيناريو الهروب :
مغادرة أو فرار كبار المسؤولين، مع شائعات عن رحلات مشبوهة إلى روسيا، ونقل ذهب، واحتمال لجوء قادة وعائلاتهم إلى موسكو إذا تفاقم عدم الاستقرار .
سيناريو التحول المُدار :
وهو الأقرب للواقع، حيث لا ترغب الولايات المتحدة – خاصة في ظل تجربة العراق – في احتلال إيران أو تدمير بنيتها التحتية، بل قد تسعى إلى إزاحة المرشد الأعلى أو تحجيم دوره، ونقل السلطة إلى شخصية من داخل النظام او خارجه تقود مرحلة انتقالية وإصلاحات، مع “تدجين” النظام وتحقيق استقرار اقتصادي نسبي.
إيران تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. نافذة مفتوحة على أمة تعيش مخاض الخروج من الدولة الدينية وحكم الملالي، في شرق أوسط يتغير، لا عبر تغيير الحدود فقط، بل عبر إعادة تشكيل الأنظمة والسياسات الاقتصادية وتقليص نفوذ القوى الإقليمية.
فهل ستخرج إيران أكثر توافقاً مع العالم؟ أم ستنهار تحت وطأة الضغوط الداخلية والخارجية؟ أم ستتحول إلى كيان جديد بملامح مختلفة؟
أسئلة صعبة، وإجاباتها ستحدد ليس مستقبل إيران وحدها، بل توازنات المنطقة بأسرها.