وجود اللغة في حياتنا له أبعاد عديدة ومسارات متنوعة، وجود غائر في العمق ومنتشر على السطح في آن معا. حتى وصف الإنسان نفسه بأنه “كائن لغوي”، ليشرح باختصار أن وجوده مفكرا وصانعا للحضارة مرتبط باللغة. وكأن اللغة خيط مسبحة ينظم للإنسان أشياء الوجود المبعثرة نظما نسقيا يؤدي إلى الفهم. والتفكيرُ هو الآخر يكون من خلال اللغة. فالعقل خارج اللغة يوصف بأنه صفحة بيضاء معطلة لا تجد لإنتاج الأفكار سبيلا. وحتى لا وعي الإنسان يتشكل وينتظمُ من خلال اللغة.تمتدّ علاقتنا بلغتنا العربية من كونها علاقة اعتزاز بلغة، تعبّر عن هويتنا ومرتبطة بالمقدس ووسيلة متميّزة وعالية المقام بنيويا.. حتى تصل في علاقتها بنا إلى بؤر عميقة الغور في النفس، وقد ترتبط كرامتنا الشخصية- نحن الأفراد- بكرامة اللغة وتُرتّب لنفسها حقّا علينا، أو قل: حق أنفسنا علينا حين تندمج العلاقة، ويختلط العام بالخاص، وتصير هي نحن. وفي هذا الاختلاط ثمّة مدخل طريف يربط وجودنا اليومي الشخصي باللغة، وأجده جديرا بتسليط الضوء عليه، ونقل تجاربنا الشخصية ومواقفنا مع اللغة في الحياة.
في الأيام القليلة الماضية دُعيت في الجامعة لإدارة ندوة ثقافية احتفاءً بيوم اللغة العربية، وهو اليوم الذي أقرّت فيه الأمم المتحدة اللغة العربية لغة رسمية في هذه المنظمة العالمية. وفي هذه الجلسة رويتُ لجمهور الحاضرين بعض ما حصل لي وعشته ويحق لي أن أرويه. مّما رويت لهم، إنّي ذات يوم دَفَعتُ الورقة إلى المحقق القضائي في المحكمة، وانصرفت متخلّيا عن حقي الشخصي الذي جئت مشتكيا من أجل الحصول عليه. انصرفت وفي نفسي شعور غريب- حين أمازح العربية وأستعير توصيفا من لغة هذه الأيام أقول- هو شعور (كوكتيل)، امتزج فيه الألم والغضب والإحساس بالخسارة والإحساس بالانتصار في آن واحد.
كنتُ أحكي للمحقق القضائي مضمون شكواي بلغة عربية واضحة من غير تقعّر أو إسراف، وهو يكتب على الحاسبة ما أقول، وانتهى من الكتابة وضغط على زر الطابعة، فحوّلت ما كتبَ إلى كلمات على ورقة، وناولني الورقة طالبا منّي التوقيع عليها. بدأتُ بقراءة الورقة على كُرْهٍ منه، فهو يريد سرعة التوقيع والانتهاء. قال لي: كل ما قُلـتهُ أنت كتبتُه على الورقة وعليك التوقيع.. لكنّي واصلتُ قراءة الورقة.. وجدتُ السطور التي كتبها تضجّ بأنواع الأخطاء، في اللغة والنحو والإملاء، وإن كان مضمونها يشرح أنّ رجلا احتال عليّ وأخذ منّي مبلغا قدره خمسمائة ألف دينار، ولديّ ما يُثبت واقعة الاحتيال.. قلتُ للمحقق القضائي أنا أحمل شهادة دكتوراه في اللغة العربية ولا يمكنني التوقيع على هذه الورقة، فتوقيعي يعني موافقتي على كلّ ما فيها من أخطاء فاحشة، وهذه وثيقة تهين اللغة وتهينني، مثلما هي وثيقة إدانة لمتخصص، فهي تعني أنّه لا يحترم تخصصه أو لا يُتقنُه. رفضَ المحقِّق تصحيح الأخطاء لأنّها كثيرة، وعَدَّ هذا مضيعة لوقته، ولم يُجْدِ معه النقاش والاعتراض نفعا. لذا امتنعت عن التوقيع، ودفعت إليه الورقة وانصرفت بشعوري (الكوكتيل)، وبذلك تخلّيت عن الشكوى بسبب صياغة المحقّق وموقفه منّي ومن اللغة ومن علاقتي باللغة.. دُهش المحامي الذي يرافقني، ثم علّق قائلا: هذا من حسن حظ المُحتال.
وأنا أستعيد ذكرى هذا المشهد الذي خسرتُ فيه بعض المال وربحت بعض كرامة اللغة وكرامة أستاذ متخصّص باللغة؛ أفكّر في الحدود بين اللغة والإنسان، وأفكّر لماذا نُهمل التفاصيل اليومية لعلاقتنا باللغة، وحين نتحدث عنها نركّز على الأحاديث التجريدية العامة؟ أليست اللغة ذاتا نقيم علاقة معها؟ لماذا الإصرار على أنّها مجرد أداة تحمل المضمون الذي نريد؟ ثمّ ما حدود علاقتنا باللغة؟ ومما يتعلق بهذا السؤال الأخير– ما حدود علاقتنا باللغة؟- رويت للحاضرين في جلسة الاحتفاء بيوم العربية مشهدا آخر، من سجلّي الشخصي مع اللغة. فقد أفقْتُ ذات ليلة من نومي بعد حُلُم لا يخلو من أحداث “كابوسية”، فضحكتُ وسُررت في الوقت نفسه.. كانت أحداث الحلم تُلخَّص بحوار أُجريه مع شخص، وبعد نقاش وجدال قلتُ لهذا الشخص في الحلم بيتا شعريا: (وعندي كلامٌ لو أردتُ لقلتُه/ ولو قلتُه لم أبْقِ للصلحِ مَوْضِعا). بعد أن نطقتُ البيت الشعري استيقظت من نومي ومن حُلُمي، ضحكتُ من المفارقة، فمن غير المألوف أن تدخل العربية الفصيحة والتراث الشعري الفصيح في حُلُم، لاسيّما أنّ موضوع الحُلم هذا مما هو يوميّ، ونحن في شؤوننا اليومية نستعمل اللهجة العامية! وسُررتُ لأنّي وجدتُ في تغلغل العربية الفصيحة في النفس دليلا على تجاوز قصديّة الاستعمال، فهي اخترقَت اللاوعي واحتلّت بعض مكان فيه، وصارت لدى الأحلام فرصة أن تغترف من لغة نتعلمها في المدارس تعلّما، ولم تكن مما رضعناه مع حليب الأمهات. شيء يبعث السرور في النفس حين يكون الإنسان منغمسا في لغته وتكون عالمه العفويّ التلقائي، وحين يحصل هذا سيتفجّر المعنى من خلالها. وأبعد مدى يطمح إليه المعنيون باللغة ومعلموها أن تكون العربية لغة نابعة من الأعماق ببساطة، وليست غطاءً لمعان تُنسج في النفوس بلهجة عاميّة.