العراق بين الدولة المعطوبة والهيمنة بالوكالة: تفكك السيادة في ظل النفوذ الإيراني
آخر تحديث:
بقلم: مالك الجبوري
يُظهر المسار السياسي والمؤسسي للدولة العراقية بعد عام 2003 أن الأزمة القائمة لا يمكن تفسيرها بوصفها إخفاقًا إداريًا أو تعثّرًا مرحليًا في الانتقال الديمقراطي، بل بوصفها نتيجة بنيوية لتفكك السيادة وتحوّل الدولة إلى كيان محدود الإرادة. في هذا السياق، شكّل النفوذ الإيراني أحد العوامل المركزية في إعادة إنتاج هذا الاختلال، لا من خلال احتلال مباشر، بل عبر نمط أكثر تعقيدًا يقوم على الهيمنة غير المباشرة بواسطة وكلاء محليين.
من منظور نظري، تقترب الحالة العراقية من نموذج “الدولة الفاشلة” بالمعنى الوظيفي لا الشكلي. فالدولة لا تزال قائمة من حيث المؤسسات والدستور، لكنها فقدت قدرتها الفعلية على احتكار العنف المشروع، وضبط المجال العام، وفرض القرار السياسي المستقل. إن وجود فاعلين مسلحين خارج السيطرة المركزية، يتمتعون بشرعية موازية ودعم خارجي، يفرغ مفهوم الدولة من مضمونه السيادي، ويحوّلها إلى إطار إداري هش يعمل ضمن حدود مرسومة سلفًا.
ضمن هذا الفراغ البنيوي، برزت الهيمنة الإيرانية بوصفها نموذجًا كلاسيكيًا لما تُسميه أدبيات العلاقات الدولية “الهيمنة بالوكالة”. فإيران لم تُدِر نفوذها في العراق عبر الإدارة المباشرة أو الضمّ السياسي، بل عبر شبكة من الأحزاب والميليشيات التي أدّت وظيفة الوكيل السياسي والأمني. وقد أتاح هذا النموذج لطهران التأثير العميق في القرار العراقي دون تحمّل كلفة السيادة أو المسؤولية القانونية، مع الحفاظ على هامش إنكار رسمي دائم.
تجلّى هذا النمط من الهيمنة في لحظات سياسية حاسمة، حين باتت تسوية النزاعات الكبرى داخل النظام السياسي العراقي تتم خارج الأطر الدستورية، وبحضور فاعلين أمنيين إقليميين، في مؤشر واضح على تآكل الاستقلالية الوطنية. كما أظهرت قوى سياسية عراقية نافذة استعدادًا بنيويًا للتكيّف مع المصالح الإيرانية، حتى عندما تعارضت بوضوح مع المصلحة العامة أو مع فكرة الدولة ذاتها. وقد أسهم هذا السلوك في ترسيخ اختلال ميزان القوة لصالح حلفاء طهران، وتحويلهم إلى مركز ثقل دائم داخل النظام السياسي.
على المستوى الأمني، شكّلت الميليشيات المدعومة من إيران العمود الفقري لهذا النموذج الهجين. فهي لا تمثّل جماعات خارجة عن النظام، ولا قوات نظامية خاضعة للمساءلة، بل كيانات تقع في المنطقة الرمادية بين الدولة واللا-دولة. ويُدرج هذا النمط ضمن ما يُعرف نظريًا بـ”العنف شبه الرسمي”، أي العنف الذي يُمارَس خارج الإطار القانوني، لكنه يجري بعلم الدولة أو بعجزها المتعمّد عن منعه.
لقد استُخدم هذا العنف شبه الرسمي بوصفه أداة ضبط اجتماعي وسياسي، سواء عبر قمع الاحتجاجات الشعبية، أو اغتيال الناشطين، أو ترهيب المجال العام، مع إتاحة إمكانية إنكار المسؤولية الرسمية. وبهذا، جرى تفريغ مبدأ سيادة القانون من محتواه، وتحويل العنف إلى وسيلة حكم غير مُعلنة، تُدار بالواسطة لا بالمؤسسات.
انعكس هذا الواقع البنيوي على وعي المواطن العراقي، الذي لم يعد ينظر إلى هذه التشكيلات المسلحة بوصفها قوى وطنية، بل باعتبارها أدوات قسر تحمي نظامًا سياسيًا فاقدًا للشرعية الشعبية. ومن هنا، لم يعد الغضب موجّهًا فقط ضد النخب الحاكمة، بل اتخذ طابعًا صريحًا مناهضًا للدور الإيراني بوصفه شريكًا مباشرًا في إنتاج هذا النموذج السلطوي التابع.
أما في البعد الاجتماعي–الثقافي، فقد أفضى غياب الدولة الضابطة إلى إعادة تشكيل المجال العام على أسس طقوسية. فبعد 2003، أُطلقت حرية ممارسة الشعائر الدينية دون إطار مؤسسي ينظم علاقتها بالحياة العامة. ومع الزمن، تحوّلت هذه الحرية إلى هيمنة رمزية شاملة، أعادت إنتاج المجتمع حول منطق التعبئة الدينية والحزن المستدام. تعطّلت الدورة التعليمية والاقتصادية في مدن كاملة، وتحولت المدارس ومرافق التدريب العسكري إلى فضاءات طقسية، في دلالة واضحة على انهيار الحدود بين الديني، والتعليمي، والعسكري.
ترافق ذلك مع تراجع منهجي لمكانة البرامج العلمية داخل المؤسسات التعليمية، مقابل تصاعد البرامج الدينية بوصفها أداة للضبط الاجتماعي لا للتنشئة النقدية. كما أسهم الحضور المكثف لرجال الدين داخل الجامعات والثكنات العسكرية في تكريس نموذج سلطة هجينة، تمزج بين الشرعية الدينية والقوة القسرية، وتُضعف الأسس المفهومية للدولة المدنية الحديثة.
في المحصلة، تكشف الحالة العراقية عن تداخل خطير بين دولة معطوبة بنيويًا، وهيمنة إقليمية تُدار بالوكالة، وعنف شبه رسمي يُستخدم كآلية حكم. وهي أزمة لا يمكن اختزالها في فشل داخلي أو تدخل خارجي منفرد، بل هي نتاج تفاعل بين الاثنين. إن استمرار هذا النموذج لا يعني فقط إدامة أزمة الحكم، بل يرسّخ مسار تفكيك الدولة وتحويلها إلى كيان وظيفي تابع، عاجز عن إنتاج سيادة فعلية أو مشروع وطني جامع.