يشكلُ النقدُ الأدبيُّ العربيُّ الحديثُ مساحةً جدليةً بين التقاليدِ المحليةِ والانفتاحِ على النظرياتِ النقديةِ الغربيةِ، وهو جدلٌ مستمرٌ منذُ مطلعِ القرنِ العشرين، مع بداية الحديثِ عن التجديد في الأدب العربي ومقارنته بالنصوص الغربية. ومن أبرز مظاهر هذه الجدلية ارتهان النقد العربي للنظريات الغربية واستهلاكه لها، وهو ما يثيرُ التساؤل حول استقلاليةِ النقدِ العربيِ وقدرته على تطوير أدواته التحليلية الخاصة.تاريخياً، خضعَ الأدبُ العربيُّ لتحولاتٍ كبيرةٍ بفعلِ الحداثة والانفتاح على الغرب. فقد أدّى الاستعمار الثقافي والسياسي في بعض البلدان العربية إلى ضغط فكري على المثقفين والنقاد، دفعهم للاعتماد على الأدوات الغربية لفهم النصوص العربية ومواكبة الخطاب الأدبي العالمي. وفي هذا السياق، ظهرت الحاجةُ إلى استيعابِ النظرياتِ الغربيةِ مثل: البنيوية، والتفكيكية، وما بعد البنيوية، والنقد النسوي، والنظرية ما بعد الاستعمارية، التي أسهمت في صياغة أدوات تحليليّة حديثة للنصوص.لكن المشكلة لم تكن في المعرفة نفسها، بل في طريقة الاستهلاك النقدي؛ إذ غالباَ ما تُنقلُ النظريات الغربية حرفياً إلى السياق العربي من دون إعادة صياغتها أو تكييفها على وفق خصوصية اللغة والثقافة العربية. هذا الاستهلاك الحرفي يحوّل النقد من نشاط نقدي مستقل إلى مجرد تكرار، أو تبني أعمى لنظريات خارجية. ويمكنُ رصد عدة مظاهر لانغماس النقد العربي في النظريات الغربية، من بينها: التطبيق الحرفي للنظريات الغربية، فعلى سبيل المثال، استعمال البنيوية لتحليل الشعر العربي الكلاسيكي من دون مراعاة خصوصياته الإيقاعية، أو تفكيك النصوص العربية وفقاَ للتفكيكية من دون الأخذ بالتباينات الثقافية والاجتماعية بين النص العربي والنص الغربي الذي أُنشئت فيه هذه النظرية.
كان النقد العربي التقليدي، سواء في الشعر أو القصة، يمتلك أدواته الخاصة التي طُورَتْ عبر العصور، مثل التحليل البلاغي والبياني، أو النظر في جماليات النصوص العربية عبر المقامات والقصص التاريخية. ومع انتشار النظريات الغربية، قلَّ الاعتماد على هذه الأدوات، وأصبح النقدُ العربيُ يستمدُ قوته من الغرب فقط. في السياق ذاته، تعتمدُ كثيرٌ من الدراسات النقدية العربية الحديثة على الترجمات للنظريات الغربية من دون العودة للنص الأصلي أو فهم فلسفتها الفكرية، ما يؤدي أحياناً إلى تفسير مضللٍ للنظرية أو النص العربي.نشأتُ بعض النظريات الغربية لتحليل نصوص في سياقات اجتماعية وفلسفية معينة، مثل: نظرية ما بعد الاستعمار التي وُضعت لتحليلِ النصوص الهندية والأفريقية. حين تُطبق هذه النظرية على نصوص عربية من دون تعديل، قد يؤدي ذلك إلى تباعد النقد عن واقعه الثقافي والاجتماعي.
وتعود ظاهرة ارتهان النقد العربي إلى أسباب عدة مترابطة: أولها: الاستعمار الثقافي والتاريخي: إذ أثّر الاستعمار في الدول العربية على الثقافة والنقد، وأوجد شعوراً بالضعف تجاه الأدوات الغربية، بحيث أصبحت هذه النظريات معيارية في تقدير قيمة النصوص.وثانيها: غيابُ المدارسِ النقدية الحديثة في العالم العربي: بينما شهدَ الغربُ تشكّلَ مدارس نقدية حديثة، مثل: (البنيوية والتفكيكية)، لم يظهر في العالم العربي إطار نقدي متكامل وحديث بالقوة نفسها، ما جعل النقاد العرب يبحثون عن البدائل الغربية.وثالثها: الرغبة في العالمية: بعض النقاد العرب يسعون لإعطاء النصوص العربية قيمة أكاديمية عالمية، فتلجأ الدراسات إلى النظريات الغربية لتأطير النصوص، بغض النظر عن ملاءمتها للواقع العربي. أمّا آثار الارتهان على النقد العربي، فتسبب هذا الارتهان في آثار سلبية عدة على المشهد النقدي العربي.
مما تقدم، أصبح النقد العربي مجرد مرآة للنظريات الغربية بدلاً من أن يكون نشاطاً نقدياً مستقلاً له أدواته ومعاييره الخاصة. ينتج، عند تطبيق نظريات غير متوافقة مع النصوص العربية، تحليل نصوصي بعيد عن معانيها الأصيلة. على سبيل المثال، تحليل الشعر الجاهلي بالمنظور التفكيكي الغربي قد يحوّل النصوص إلى مجرد (بنُى لغوية) من دون تقدير جمالياتها البلاغية والفنية.إنَّ النقد العربي لا ينتج أدواته أو مدارس جديدة، بل يكتفي بالتبني، ما يجعل التطور النقدي العربي متأخرًا مقارنة بالنقد الغربي. بدلاً من أن يكون النقد أداة لفهم النصوص العربية، يتحوّل إلى أداة لتطبيق نظرية بعينها، ومن ثمَّ يغيب الحوار بين النص والناقد، وهو جوهر النشاط النقدي. لكي يستعيد النقد العربي استقلاليته وقدرته على الابتكار، يمكن تبني بعض المقاربات العملية، منها؛ تطوير أدوات نقدية عربية أصيلة، تقوم بدراسة النصوص العربية وفقاً لخصوصياتها، سواء من حيث اللغة، والتاريخ، أو الثقافة، والعمل على بناء مدارس نقدية حديثة مستمدة من التراث العربي. ومع ذلك، يمكن الاستفادة من النظريات الغربية، لكن بوعي نقدي، أي اختيار ما يصلح منها وتكييفه مع السياق العربي، من دون اعتمادها بشكل أعمى. ويمكن إقامة دراسات مقارنة بين النصوص العربية والغربية، ما يسمح بفهم أدوات التحليل النقدي الغربية، مع إبقاء النص العربي في سياقه الثقافي.
إلى جانب، تشجيع الدراسات التي تطرح أدوات جديدة، حتى لو كانت مستوحاة من التراث العربي، مثل الجمالية البيانية، والمقامات، وطروحات النقد الأدبي القديم، لخلق إطار نقدي أصيل. فعلى سبيل المثال، استعمال البنيوية لتحليل شعر نزار قباني أو محمود درويش من دون الانتباه إلى خصائص اللغة العربية الشعرية يؤدي أحيانًا إلى نتائج غير دقيقة. وتطبيق التفكيكية على نصوص المتنبي أو الجواهري، قد يؤدي إلى إلغاء البعد الرمزي والديني والوطني الذي يميز الشعر العربي. أو اعتماد النقد النسوي الغربي على نصوص عربية من دون تعديل، قد يسيء فهم العلاقة بين الرجل والمرأة في سياق اجتماعي عربي مختلف.
خلاصة القول: إن ارتهان النقد العربي واستهلاكه للنظريات الغربية ظاهرة مستمرة، لكنها ليست حتمية. وأن النقد العربي قادر على استعادة استقلاليته إذا ما جمع بين الوعي النقدي بالنظريات الغربية، وإعادة بناء أدوات نقدية محلية تتوافق مع النصوص العربية وخصوصياتها الثقافية واللغوية. وأن الهدف هو الوصول إلى نقد مستنير، مستقل، ومبدع قادر على إنتاج أدوات تحليلية جديدة، لا مجرد مستهلك للتجربة الغربية، ومن ثم، استعادة مكانة النقد العربي في الفضاء الثقافي العالمي من دون فقدان هويته.