هاشم تايه خاض الفنانان التشكيليان العراقي يوسف الناصر، والفرنسية دانييل لوازييل تجربة الرسم الارتجالي أمام جمهورٍ اهتم بمراقبتهما وهما يرسمان معاً على مدى ثمانية أيّام في ورشة رسم مشتركة أقيمتْ في غاليري الفنانة الفرنسيّة الواقع في منطقة الباستيل وسط باريس،انطلقت أعمالها بتأريخ 27\9\2016 واختتمت بتأريخ 4\10\2016. سبق للفنان الناصر أن رسمَ مرتجلاً بحضور مشاهدي معرضه (تمارين على اليأس) الذي أقامه العام 2010 في مدينة فلورنسا الإيطاليّة. تلك التجربة أعانت الناصر كثيراً على تجاوز مخاوفه من احتمالات أن يرتبك، أو يتعثّر وهو يرسم، بحضور جمهوره، من دون إعداد، وتهيئة، وتخطيطات أوليّة مسبقة، مجرّداً من فرصة العمل باستغراق تام، وبعيداً عن أي تشويش محتمل. ويبدو أنّه قرر أن يمضي أبعد في تجربته الحالية بإتاحته الفرصة للجمهور لا لمراقبته مراقبة سلبية فحسب، بل بالسماح له بأن يحاوره في ما يرسم، موضوعاً وتقنية، وحتى أن يشاركه الرسم: «كنت مشغولا بفكرة الرسم امام الجمهور والحوار معهم اثناء العمل ومحاولة شرح وتوضيح ما أقوم به سواء أكان تقنياً ام ذهنياً، وكنت أريد أن أسمع آراءهم وتعليقاتهم اثناء العمل… طلبتُ من إحدى الزائرات الرسامات، وكانت تتساءل عن جانب تقني في صناعة اللوحة،أن تشاركني الرسم،وتحاول تبيان موضوع انشغالها عمليا». هذه الآلية في ممارسة الرّسم تعني أن ثلاثة أطراف ستشارك في إنتاج اللوحة:الرسّام أوّلاً، وفعل الرّسم المتحرّرمن تحكّم الرّسّام به بفضل انشغال الأخير بمحاورة جمهوره ثانياً، والجمهور بتدخله، وتوجيهه مسار الرسّام ثالثاً. قد يكون طقس الرسم أمام الجمهور فوراً، وباندفاعة منتشية، مناسبةً ملائمة للتعريف بفعل الرّسم، وبالمسار الذي يتبعه خيال الرسّام بتحولاته، وانقلاباته. مناسبة للإفصاح عن سلوك الرّسم، والكشف عن بعض أسراره، ومن أجل تعريته من تعاليه وهيبته، أواستعصائه على المأخوذين به من الذين يتهيبون ممارسته. وتعكس هذه الطريقة في إنجاز الرسم ارتجالاً وعي الرسام بأهمية تحقيق تواصلٍ استباقي لجمهوره مع رسومه يمتد من لحظة مباشرته العمل بأول خط يضعه على الورق، وحتى آخر ضربة فرشاة له. وسوف يكون الاستمتاع بالعمل مضاعفاً، لأنه يتحقق بتدرج، وعلى مدى مراحل الانجاز، بتطوراته، إذ مع كلّ تطوّر يكون المشاهد أمام عمل يتكاثر، ويتضاعف، ويختلف بما يضاف إليه من عناصر، أو ما يُطمَس منها. وإذا وضعنا في اعتبارنا استجابة الجمهور الذي يحيط بالرسام لأيّ خطوة من خطوات الرّسم، وردّات فعله عليها، وهي استجابة سيضعها الرسام في حسبانه، وسيكون لها صدى، وتأثير في سلوك الرسم، فإن الجمهور سيكون، بكيفية ما، مشاركاً في إنجاز العمل. أي أن الرسام سيكون موجهاً من داخل خبرته حيث تكمن قدراته، ومن خارجها حيث يتلقى استجابات جمهوره. كما أن هذا الجمهور سيكون بوسعه إنتاج قراءات قبْليّة، وبعديّة للرسم المنجز، أي قبل إتمامه، وبعده. سوف يكون تلقي الجمهور لتحولات الرسم أقربَ إلى عملية مطاردة متواصلة لما يتجسّد، أو يمثُل من عناصره، وأشكاله بخطوطها، وألوانها. وهذا التعقب المُطارِد لما يتصير من معالم الرسم يجعل التلقي يتحقق لا بدفعة واحدة، كما هو الأمر مع الرسوم التي تعرض مكتملة في الغاليريهات، بل على دفعات، وبزمنية كزمنيّة تلقي قصيدة مثلاً، أو مقطوعة موسيقيّة. وقد تعمقت هذه الزمنية في ورشة الرسامين يوسف، ودانييل، وبلغت مداها باستضافتهما الشاعرين صلاح الحمداني، وإيزابيل لاني اللّذيْن قرءا قصائدهما على إيقاع موسيقى عازف الغيتار آرنو ديبلو، وعلى وقع حركات فرشاتي الرسم للرسّامين. هذه التجربة قد تجعل الرسم يعود إلى أصله القديم، بطبيعته الأليفة التي عرفتها الجماعة البشرية الأولى وهي تمارسه جماعياً على السليقة، والبداهة مستجيبة لحاجتها للتعبير عمّا يصلها بحياتها، ويعزّز حضورها في الوجود. لكن إلى أيّ درجة يمكن الاطمئنان إلى أن الرسم الارتجالي في ورشة الرسّامين المكتظة بزائريهما انطلق محافظاً على سمته الاعتباطية، أمينا على الاستجابة لفواعل لحظته الآنية، متحرّراً من رواسب التجارب السّابقة برؤاها، وصياغاتها الضاغطة؟ إنّ نتائج رسم ثمانية أيّام التي خرجت بها هذه الورشة، وظهرت على سطح مطويّة ورق طولها 10 أمتار، وعرضها 35 سنتمتراً تناوب على إنجاز سلسلة رسومها كلا الرسّامين، وكذلك في الرسوم المنفردة لكليهما، إن هذه النتائج تُرينا ما تسلّل من ماضي تجارب الرسامين إلى سطوحهما المرتجلة، مختلطاً، طبعاً، بما يمكن أن ينتسب إلى ما يتولّد من طبيعة الرّسم العفويّ المرتجل من نتائج مفاجئة غير متوقعة.