تُعَدّ الرومانسيّة واحدةً من أهم أسس الإنتاج الأدبي منذ ظهورها بأشكالها المتنوّعة، سواء في الشعر أو السرد. فهي تعكس الروح الجماليّة للمنتَج الأدبي الذي يسعى الكاتب إلى توصيله إلى المتلقّي، سواء تجلّت هذه الرومانسيّة بشكلٍ مباشر، أيّ الكتابة من أجلها، أم بشكلٍ غير مباشرٍ من خلال معالجة السلبيّات والصراعات التي تواجه أبطال النصّ، أو عبر روحيّة القصيدة التي تهدف إلى تنقية الأجواء، لا إلى إظهار العيوب فقط. بمعنى أنّ الأدب منذ بداياته كان مسؤولًا عن تعميم الجمال حتى عند تناول السلبيّات، ليصبح بذلك مفتاحًا للوعي والفهم، ويقدّم للمتلقّي تجربةً جماليّةً، تؤكّد قدرة النصّ على إعادة تشكيل إدراكه للجمال، وإن كان ذلك من خلال مواجهة العيوب والهواجس المجتمعيّة.
وقد كانت الرومانسيّة واحدةً من العناصر الجوهرية التي أسهمت في ازدهار الأدب، وجعلته محبّبًا لدى المتلقّي والقارئ معا، لا سيّما في النصوص الشعريّة والسرديّة، إذ أنّ معظم القصص والروايات والنصوص الأخرى، تكاد لا تخلو من هذا الجانب الفاعل، الذي يسرد قصصٍ عشق حقيقيّة، حتى لو انتهت بالفشل. فالنصّ الأدبي، في جوهره، يعكس المجتمع ويجسّد همومه، كما أنّ التلقّي الجمالي للنصوص شكّل وسيلة للهروب من المآسي، أو على الأقل لإعادة صياغة المأساة بشكل يسمح بفهمها والتأمل فيها.
فمثلًا، شكّلت قصائد نزار قبّاني نموذجًا حيًّا لتوظيف الرومانسيّة كوسيلةٍ للتعامل مع صراعات الحياة، والهروب من ضغوط الحاضر عبر الانفتاح على العالم، مع مواجهة السلطة السياسيّة، سواء كانت الاحتلالات الأجنبية كالإنجليزيّة أو الفرنسيّة، أو النفوذ الداخلي على المستوى المجتمعي.
ويؤكّد الباحثون وعلماء النفس والفلاسفة أنّ الرومانسيّة ليست مجرّد وسيلة للتنفيس عن العاطفة، بل مفتاح لفهم البيئة الاجتماعيّة ومعايشة المجتمع بين أفراده، ومعرفة العلاقة بين الفرد والمحيط والسلطة، إذ أنّها تساعد على كشف خفايا النفوس الإنسانية، من خلال تأمّل طبيعة الإنسان وتفاعله مع محيطه. وكما أشار جان جاك روسّو في (العقد الاجتماعي) أن “الرومانسيّة ليست هروبًا من الواقع، بل بحثٌ عن طبيعة الإنسان الأصيلة، عن البراءة المفقودة التي أفسدها المجتمع”.
فالرومانسيّة، بهذا المعنى، ترتبط بالعاطفة وتحرّر العقل او قوة العقلانية، وتتيح لهذه العاطفة مساحةً لمواجهة ضغوط الحياة اليومية والصراعات الداخلية، وتهدي القارئ تجربةً من التوازن بين العقل والخيال. كما قال الفيلسوف والشاعر الألماني فريدريش شيلر في (تربية الإنسان الجمالية) أن “الفنّ الرومانسي يحرّر الإنسان من قيود العقل المجرّد، ويعيده إلى حريّته الداخلية، حيث يتصالح العقل مع الخيال”.
إلّا أنّ الرومانسيّة، في الزمن الحاضر، ولا سيّما في الألفيّة الثالثة وخاصة ما بعد الربيع العربي ما سبقها من تغيير في العراق عام 2003، شهدت تراجعًا في النصوص الأدبيّة بجميع أجناسها. فحتى الشعر الذي كان يعبر عن الحبّ والعشق والوله، بل وأحيانًا الجنس، أصبح أكثر اغترابًا عن الرومانسيّة، وانخرط في عمليّة جلد الذات والآخر، ليحلّ محلها ما أُطلقنا عليه الأدب الغاضب. وحتّى النصّ الساخر أصبح غائبًا في كثير من الأحيان أمام طغيان النصوص السوداويّة التي أصبحت السائدة، وهو ما يعكس التطورات السياسيّة والاجتماعيّة والتقنية، في عالم تتحكّم فيه السيطرة الإلكترونيّة وتقنيات الإعلام الحديثة، والتي حرمت الأدب من قدرة التعبير الجمالي والتوثيق الواقعي في آن واحد، ليصبح الأدب مرآةً تكشف هواجس الأمم ومشاعرها الداخلية.
وفي هذا السياق، يبرز السؤال عن غياب الرومانسيّة نسبيًا في الأدب العربي المعاصر، وهو إشكالٌ ثقافيّ معقّد يتطلّب تحليلًا متعدّد الأبعاد. ويأتي هذا الكتاب لاستكشاف هذه الظاهرة من خلال مقاربة نقديّة شاملة، تبحث في الجذور العميقة للغياب الرومانسي في الأدب العربي، وتدرس آثارها على المشهد الأدبي والثقافي، فضلاً عن تقديم رؤية مستقبلية لمكانة الرومانسيّة في النصوص القادمة.
من هنا فان من الواضح وجود فجوة ٍواضحةٍ في الدراسات النقديّة العربية، إذ بينما ازدهر الأدب الرومانسي في الآداب العالميّة وأصبح مدرسةً واضحة المعالم، بقي الحضور الرومانسي في الأدب العربي خجولًا ومحتشمًا، وغالبًا ما اقتصرت الدراسات على أثر الرومانسيّة في الأدب دون تحليل أسباب غيابها.
من هنا يكون الأمر مهما في تفكيك هذه الإشكاليّة، تبدأ بتأسيس مفاهيمي ومنهجي لموضوع الرومانسيّة الأدبيّة، ثمّ رصد مظاهرها واستثناءاتها في الأدب العربي، وبعدها التعمّق في تحليل الأسباب الكامنة وراء هذا الغياب، وصولًا إلى دراسة التداعيات والآثار المترتّبة على ذلك، وانتهاءً برؤية استشرافيّة لمستقبل الرومانسيّة في المشهد الأدبي العربي. يتعبها السعي لتحليل النصّ المقارن، والدراسة التاريخية والاجتماعية، مع الاستفادة من مناهج نقديّة معاصرة لقراءة النصوص وتفسير الظواهر الأدبيّة، بالإضافة إلى الرجوع إلى مصادر متعددة اللغات لتقديم رؤية شاملة ومتوازنة.فالرومانسية تعبير عن دواخل المجتمع وحركة البيئة واستقرارها. وهي المعادل الموضوعي لكل مدركات الحياة التي يتحسّسها الأديب. فلا يمكن للأديب منتج النص ان ينتج نصا رومانسيا وهو في بيئة تخلوا من مقوّمات الوجود الرومانسي.