امرأة فى الخمسين

امرأة فى الخمسين
آخر تحديث:

كه يلان محمد
بخلاف بعض الآارء النقدية السائدة التي تذهب بأنَّ السرديات النسوية تتحاشي مقاربة وضع المرأة في سن مابعد الأربعين ،فإنَّ الروائية السورية (هيفاء بيطار) قد توقفت في عملها الأخير (إمرأة في الخمسين) بدمغة دار الساقي عند مرحلة يتغير فيها منظور الأُنثى لتفاصيل الحياة ورؤيتها للأخروهي تصلُ إلى تخوم سن الخمسين .على رغم ماتعطيه الكاتبةُ من الإهتمام الكبير بهموم المرأة وصراعها المحتدم مع النواميس المُجحفة بحقها، فلاتُهمل الإشارة إلى مابلغته مظاهر الفساد والتفسخ من مستويات مرعبة على الأصعدة كافة، الإجتماعية والسياسية و الثقافية، وتربط كلُ ذلك بما تُقاسيها المرأة من المُعاناة. إذ تصبحُ المرأة ضحية لنظرة إختزالية، كما تتوالى خيباتها جراء هيمنة صورة نَمَطيةَ لدورها وموقعها في النظام التراتبي المًسيج بعادات وتقاليد رثةَّ، تتحرر نساء هيفاء في سن الخمسين من سلطة الرغبة فبالتالي يفارقُ جسدهُنَّ ودائرة التشيؤ والقمع بِما يتيحُ لهًنَّ إعادة بناء الذات خارج الأُطر الإجتماعية المتوارثة.

سقوط القناع
برعت الكاتبةُ في كشف تزيفات شريحة المثقفين وإزدواجيتهم ومناوراتهم في توظيف وسائل معينة للألتفاف على المبادىء والقيم ومايدافعون عنه في الظاهر. إذ صارت قضية حقوق المرأة وضرورة مشاركتها في القنوات السياسية والثقافية مادة مًستهلكة في الميادين الإعلامية. ويوجدُ من يُراهنُ عليها لِيَحْجزَ موقعاً له في صفوف التقدميين والمستنيرين دون أن يكون هذا الموقف نابعاً من الإقتناع المبدئي. شخصية حاصد الجوائز كما يردُ ذكره على لسان الراوية المُتبنية لضمير المتكلم وهي المشاركة داخل الأحداث، نموذج من هذا الفصيل وهو مُتخصص في نقد الأدب النسوي وسطع إسمه في المحافل الثقافية بوصفه صاحِبَ قلم مناصر للمرأة ومدافعاً عن حقوقها، غير أنَّ كل يُنسب إليه من المزايا راح يتهاوى وتظهرُ حقيقته بعد إزالة القشور.، وذلك بعدما تنصت البطلة وهي تشتغل صحافية إلى آرائه التافهة عن المرأة، إذ تدرك المحاورة وهي إمرأة بلغت الخمسين من عمرها بأنَّ الناقد المشهور يتعامل مع المرأة من مُنطلق غريزى ولاتجدُ فرقا بين مدركاته مع ماشاع من القناعات التي تضع المرأة في قوالب جامدة وتنزع عنها الخصوصيات الإنسانية، فهو يزهو كونه ناجحاً في إدارة علاقاته العاطفية المُتعددة. وما ما أنْ تودعُ عشيقته ريعان شبابها حتى ينصرفُ عنها إلى غيرها، فتصطدم الصحافية عندما تسمع إلى حكاية مغامراته مع إمرأة أحد الضُباط التي جازفت بكل شىء من أجله لكن إنقطع عنها بعدما وصلت إلى سن الخمسين، ولم تَعُدْ ناعمة البشرة مثل عهد الصبا. وما يؤلمُ الشخصية الأساسية أكثر أن الأخيرة في سن عشيقة الناقد، دون أن تكون أمارات العُمر ظاهرة على ملامحها وجسمها الذي تجدُ فيه مرآة لمدينة بيروت وهي دائمة التجدد.تعترف الراوية بإنجذابها إلى حاصد الجوائز فالأخيرة تتخيل بأن لون قميصه الأزرق يتعانق مع لونها البنفسجي كما تراه في حلمها وبذلك تتنامى رغبتها لتجربة إقامة علاقات حميمية في هذا السن.على رغم مُمانعتها الشكلية تستجيب لنداء ميولها كما تريدُ إنتقام ممن يعتقد بأنَّ جسد المرأة يخبو سحرها في سن معين، لكن تخسر البطلة في المراهنة إذ يتجاهلها الناقد المشهور ولايتصل بها بعدما ينال منها ما أراد. تنضاف هذه التجربة إلى ما تعرضها الصحافية مما مرت بها من الخيبات بما فيها الفشل في الزواج نتيجة قسوة الرجل وتعامله مع المرأة كمجرد كائن جنسي تتمثل وظيفته في إشباع رغباته، وما يعوض المرأة حجم خساراته ويخفف من الآمها غير عاطفة الأمومة.

سراب الحُب
على مشارف الخمسين يكون الحبُ مفروغاً من المعنى بالنسبة إلى البطلة وتعتبرُ كل علاقتها ليست إلا ممحاكات لغوية أرادت من خلالها أن تُمسك بسحر اللغة بحيث ترى بأن رغبتها لإستعادة ما خطته لعشاقها تفوق على البحث عن حب حقيقي، كأنَّ اللغة تنوب الجسد في إدراك الملذات ما يذكرك بتصور رولان بارت إذ اللغة برأيه مثل جلد يحك على جلد الأخرين، وما أن تتعرف البطلة على فابيولا حتى تبدأُ مرحلة جديدة من حياتها إذ تشْعُرُ بأنها ليست وحيدةً في محنتها وتَجِدُ في صديقتها الجديدة زخماً لمواجهة مظالم المُجتمع ولايتوقف الأمرُ عند هذا الحد بل تبادرُ فابيولا بإنشاء جمعية الخمسين تنضم إليها النساء اللائي وصلن إلى أعتاب العقد الخامس، تندمج قَصصهن في فضاء العالم الذي يستوعبهنَ، وتلجأ كل واحدة منهنَّ مكر الكلمات لرسم مسارات حياتها. يضعك هذا التناوب في السرد بين شخصيات الراوية أمام حكايات يجمعها خيط واحد، وهو الخوف لعلَّ الأسباب وراء هذه الظاهرة متنوعة لكن مايتولد منه الخوف هو بيئات إجتماعية لذلك كبر الخوف مع كل شخصية إلى أن صار متحكما بتركيبتها الفكرية والنفسية. هنا يبدأ البحثُ عن آلية مساعدة للخروج من سياقات مشحونة بالخوف.

حُلم الحرية
تُلمحُ الكاتبة إلى الدور السلبي للأنظمة الأستبدادية في تدمير شخصية المرأة حيث تذكر على لسان إحدي شخصياتها بأن ثمن العيش في سورياهو أنْ تدوسَ على كرامتك وتبتسم بوجه من يذلونك. إذ تحملُ هذه الجملة دلالة عميقة لاسيما وأنت تسمعها من إمرأة. ومن هنا تتفهم بأن حالة التعددية وهي من خصائص الأنظمة السوية لاتتحقق في المجتمع ولاتتطور دون الإعتراف بهوية المرأة ككائن إنساني دون وضع الأطر المسبقة عن دورها وربط فعاليتها بالسن أو الحالة الإجتماعية. إنَّ الخوف والتزييف ثيمتان أساسيتان في بناء الرواية ويتلازم وجودهما إذ يصبحُ الخوف سمة لكل المنابر الثقافية والسياسية والأدبية كما يفتك الخوف بشخصية أفراد المجتمع. يتوزع هذا العمل بين مفصلين في الأول يسترسلُ السردُ بضمير المتكلم حيثُ تُتناول الراوية صور حياتها من كل النواحي. أما في الثاني فتنحصر وظيفتها في تعليق على بعض الأمور المتعلقة بشخصية مُحَدَدة أو تحضير المشهد لغيرها وإنسحابها من الواجهة.ما يجعلُ سير السرد مشوقاً خصوصا أن صاحبة (يوميات مُطلقة) تستخدمُ لغة رشيقةَ نابضة بأحاسيس أنثوية في روايتها الجديدة.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *