يتعامل المعماريون مع المدينة الأوروبية كنص يمكن قراءته يوميا من أجل تعديله أو استخلاص نتائج اجتماعية ومعمارية منه. ويركز المعماريون، على اختلاف تخصصاتهم: معماريو البناء، معماريو الطرق (الاوسترادات)، معماريو الطرق الداخلية، معماريو الحدائق، معماريو تنظيم العلاقات بين السكن والمرافق الأخرى من وسائط نقل وأسواق وتصريف البضائع والنوادي والمجمعات السكنية الاخرى، ومراكز ترفيه فرعية، وملاعب صغيرة وكبيرة. هؤلاء المعماريون يدققون يوميًا في شقوق المدينة التي تخفي في أعماقها صورًا غير مرئية للرؤية العادية، فتجدهم يغيرون من سياقات البنى العامة ليكتشفوا أنَّ هذا الحي ينقصه كذا، وأنَّ هذه السوق التجارية لا تغطي كل الفئات الاجتماعية المختلفة الأديان وثقافة المطبخ، وأنَّ هذا الحي يخلو من محل للحلاقة، وآخر للخياطة، وثالث للملابس والأثاث المستعملة. فتجد ثيمة التجاور بين القديم والحديث واحدة من بنى المدينة التي ألغت الى حد ما المركزية الكبيرة والمهيمنة التي تتحلق حولها البيوت، مثل ما أراد المعماري (لوكوربوزية) للمدن الأوروبية أنْ تكون. اليوم أصبحت الفسحات بأهمية الأبنية، وأصبحت الحدائق المتغلغلة في الأزقة والمنعرجات واحدة من تعميم ثقافة الرؤية المريحة للأشياء.عندما نمعن النظر في حركتنا اليومية، نجد ثمة تغييرات جذرية تحدث في الحي من دون أن نعرف مدى حاجتنا المباشرة لها، هذه الطرقات التي تحفر وتردم ثانية ثم تحفر وتردم وكأن ثمة خطأ ما كما نعتقد عندما نرى أرصفتنا العراقية يعاد تهديمها وبناؤها بين فترة وأخرى، في حين أن هذا العمران الدائم في شارع المدينة الأوروبية هو ملء الشقوق والثقوب في سطح المدينة من خلال العمل في أعماقها وجذورها، فليست كل أفعال البناء تحدث على سطح المدينة، ما يعتمل في جوفها يفوق ما يحدث على سطحها، لأن الحياة التي تمثلها الاشجار وحاجات الناس اليومية لا تلبيها ثقافة السطوح بقدر ما تؤشر إليها.