لم تعد الدعوة إلى تشكيل حكومة مدنية في العراق مسألة خلاف فكري بين تيارات سياسية، بل تحولت إلى سؤال وجودي يصطدم بجدار صلب من الوقائع البنيوية. فبعد أكثر من عشرين عاماً على إسقاط النظام السابق، لم يقترب العراق خطوة حقيقية من نموذج الدولة المدنية، بل ابتعد عنه بصورة مقلقة، حتى بات الحديث عنها أقرب إلى الطموح الأخلاقي منه إلى المشروع السياسي القابل للتحقق. بسبب النفوذ الإيراني الكبير في العراق الذي تجاوز منذ سنوات حدود التأثير السياسي التقليدي، وتحول إلى منظومة شاملة تتحكم في (تشكيل الحكومات، مسارات القرار السياسي، العقيدة الأمنية والعسكرية، الاقتصاد الريعي، إدارة الصراع الاجتماعي والهوياتي). بهذا المعنى، لم يعد العراق ساحة نفوذ، بل أصبح في جوانب كثيرة نسخة وظيفية من نموذج الحكم الإيراني، مع اختلافات شكلية لا تمس الجوهر.
إن أي مشروع لحكومة مدنية يصطدم مباشرة بهذه المنظومة، لأنها ترى في الدولة المدنية تهديداً وجودياً، لا خياراً سياسياً منافساً. ورجال الدين يلعبون دوراً بالغ التعقيد. فالإشكال لا يكمن في الدين بوصفه عقيدة روحية، بل في تديين السياسة ومنح الغطاء الأخلاقي لنظام المحاصصة والهيمنة الميليشياوية. حين تُشرعن السلطة السياسية عبر خطاب ديني، تتحول المعارضة المدنية إلى: خروج على “الإجماع”، تهديد الهوية، أو تشكيك في المقدس. وهنا تُغلق الساحة السياسية عملياً أمام أي بديل مدني، لأن الصراع لم يعد بين برامج، بل بين “شرعية مقدسة” وخطاب دنيوي يُجرَّم مسبقاً.
يُقال كثيراً إن الشعب يرفض التغيير أو يرفض “الصحوة”. لكن الحقيقة أكثر قسوة لأن الشعب العراقي تكيّف مع الانهاك. الفقر، البطالة، الخوف غير المعلن، وتحويل المواطن إلى تابع اقتصادي، قد أنتجت مجتمعاً يرى في الاستقرار الزائف بديلاً عن الدولة، وفي الراتب بديلاً عن الحقوق، وفي الزعيم الطائفي بديلاً عن المؤسسات. وهذا ليس جهلاً شعبياً، بل هندسة وعي ممنهجة.
إن من أسباب فشل المشاريع المدنية ليس لأنها خاطئة، بل لأنها تصطدم بشروط معاكسة، أهمها: احتكار السلاح خارج الدولة، تحالف السلطة مع الخطاب الديني، غياب حاضنة شعبية منظمة قادرة على الحماية السياسية، تشويه ممنهج لمفهوم الدولة المدنية وربطه بالإلحاد أو التفكك القيمي، نظام انتخابي صُمم لإعادة إنتاج القوى ذاتها. في ظل هذه الشروط، تصبح الانتخابات أداة تدوير لا أداة تغيير.
إن القول باستحالة التغيير لا يعني الاستسلام، بل توصيف المرحلة بدقة. لن يكون سريعا ولن يكون شعبوياً، ولن يُمنح من داخل المنظومة الحاكمة. لكنه يبدأ من كسر قداسة الواقع، وتجريد السلطة من سرديتها الأخلاقية، وبناء وعي مدني تراكمي لا يراهن على الانفجار، بل على التفكك البطيء لمنظومة فقدت معناها التاريخي.
الحكومة المدنية في العراق ليست مؤجلة بسبب ضعف الفكرة، بل بسبب قوة المنظومة المضادة لها. ومع ذلك، فإن كل نظام يمنع التغيير بالقوة، يسقط حين يعجز عن إقناع المجتمع بجدواه. المعركة اليوم ليست على السلطة، بل على تعريف الدولة. ومن يربح تعريف الدولة، يربح المستقبل.