ياسين النصير
يستمر الجدل منذ افلاطون وحتى اليوم حول الطبيعة،فيما إذا كانت مجرد خطوط للهندسة،أم أنها صورة شعرية، ويبدو أن الفرق شاسع وكبير بين أن تتحكم الهندسة بالطبيعة فتقننها وترسم أبعادها وتعين اتجاهاتها وتجزئ مسافاتها، وتحسب للإرتفاع حسابًا وللإعماق حسابًا، فالتنظيم والترابط بين مكونات الطبيعة يعكس كم هي الهندسة الطبيعية فاعلة في المخيلة، عندما تعين الأشياء كأبعاد واقعيَّة وتصيّرها كيانات مقذوفة إلى العالم ،بما فيهم الإنسان. في حين يكون الشَّعر بوصفه الطاقة الجمالية للمخلية واللُّغة يحول حواسنا من متلقية إلى مدركة، وتتغلغل الشعريَّة في جوهر الأشياء والطبيعة لتكشف عمّا لا تراه العين، فتذهب الشعريَّة بنا إلى مجالات تأمل كونيَّة كبرى. هذه العلاقة بين الشَّعروالطبيعة ،وبين الهندسة والطبيعة، درست بعشرات الفلسفات وملايين الأفكار العلمية والخيالية والإفتراضية، وخلصت إلى أن في الشعريَّة ثمَّة تنظيم طبيعي، كما في الطبيعة ثمَّة تنظيم شعري، هو الخيال المادي لأشيائها، وتشترك الهندسة بين الأثنين، حين تكون في الطبيعة مقاييس وأطوال وحجوم،وثقل، وتكون في الشعريَّة نبرات وأنغام وجماليّة وكونيّة وجودية، لذا لايمكن قراءة الشَّعر دون معرفة بالهندسة البنائية فيه،ولايمكن ـامل الطبيعة دون بصيرة أبعد من الرؤية، فواحدة من تجميل ارتباطنا كبشر بمكونات الطبيعة وخاصة عناصرها الأربعة التي تهيمن على كل جزئية من أجزاء كوننا الطبيعي و البشري.هي أننا نشعر بالطبيعة في تقلبات فصولها كما لو كانت تؤلف شعرًا بصريًا، يرينا من نكون وترى نفسها عبرما تكون. لذا لايمكن للشعريَّة أن تتجرد من الموسيقى التي تهندس ارتباطاتها، ولايمكن للطبيعة أن تلغي الشعريَّة من حيويتها وكينونتها. وقد يستطيل الحديث عن الأثنين، فالطبيعة ليست رياضيات هندسيَّة فقط، ولا هي تكوينات ماديَّة، فثمَّة روحانيَّة تستبطن أحجارها ومياهها ونيرانها وهواؤها، وأقرأ أيَّة قصيدة، تجدها مبنيَّة على تفاعلات مادة الطبيعة وروحها.
في الجانب الآخر من شعريَّة الطبيعة وهندسة الشعريَّة، أنَّنا عندما نتأمل الطبيعة علينا ألّا نتأملها بطريقة تقليدية، فالتأويل لاينتج من الإعتيادي، ثمَّة فاعل فكري يستحث الرؤية التأملية على اختراق الأشياء، فالبنيَّة الهندسيَّة التي صيَّرت علاقة أجزاء الشيء وجعلته كيانًا، هي نفسُها الهندسة التي تربط بين الحروف والكلمات والجمل، والعبارت، والقراءة، والرؤية، والتأمل، كل مايمكن قوله أنَّنا لانتحرك إلّا في الإطار الهندسي الذي يتحكم بأقوالنا وأجسادنا وأفعالنا. وتحسب أن الرياضيات هي الأرقام، في حين أنَّها مكونات معرفيَّة لمفاصل تكويننا ولغتنا.مهمة هذه المقالة ليست استعراض التفكير العقلي بالطبيعة منذ غاليلو غاليلي وحتى اليوم، ولا التفكير الفلسفي منذ سقراط وإلى فلسفة ما بعد الحداثة، مهمتها توضيح جملة تصورات تربط بين الهندسة والرياضيات من جهة، والشعريَّة والطبيعة من جهة أخرى. وبالطبع لا المعماري يفكر بالهندسة قبل الطبيعة، ولا الشاعر يفكر بالشعريَّة قبل اللُّغة. كما لايفكر الطبيب بالمرض قبل الجسد،ولا الفيزيائي بالمعادلة قبل المادة. التكفير يبدأ حيث تكون الطبيعة مهيئة ذهنيًا ولغويًا أن تستوعب ضمن خيالها الماديّ للشعريَّة، عندئذ ستكون الهندسة ضمن البناء الشَّعري، وتكون الشعريَّة ضمن البناء المعماري.
أولى مهمات التنظيم للشعريَّة ولطبيعة، سواء كان ما يخص الهندسة، أو مايخص الشعر، هو تغيير المتوحش من الأشياء الطبيعية واللُّغوية. وتعود القضيّة بنا إلى الثقافة، فعمل الثقافة هو”ثقَّفّ” أي عدّل الإعوجاج، سواء كان في الطبيعة حيث تعدل أعوجاجها (الفلاحة)، أو في اللُّغة، يعدّل اعوجاجها ( النحو)، أو في الإنسان يعدل اعوجاجه ( الصحة)، فالفلاحة،والنحو،والصحة، هي المعرفة، وفيها تتجاوز معاني الشَّعر الى (الشعريَّة). كذلك الهندسة الطبيعية تتجاوز الطبيعة إلى ما ورائها (الخيال المادي).. ودائمًا لا تمنح النظريَّة أيَّة معلومة دون تجربة. ويسعفنا هايدغر حين يؤكد على المعرفة، “بأن وضع النظر إلى طريقة الوجود هو موضع النظرعن طريق المعرفة ” فنجد أن كل مفردات المقدس-مثلًا- الذي يعبر من خلال رمزية العناصر الكونية هو الطبيعة: الهواء والأرض والماء، والنار.بمعنى أعمق، أن الوجود الطبيعي هو وجود حي متحرك يخلق صورًا ضمن اجتهاد العقل والمعرفة، اي شعريَّة رياضيات، هكذا انتهى أرسطو في “فن الشَّعر” وحاكى ياكوبسن الشعريَّة بما اختطه آرسطو، ثم لتصبح الشعريَّة الأساس لكل إبداع متميز.
“فالشعريَّة تتجاوز الديانات المحليّة والوعي الديني الموحد، الشَّعري يحتفظ دائمًا بخاصيِّة غير محدودة على نحو غريب، وهي أنَّه من خلال الشمولية العقليّة للغة تقدم شيئًا يظل مفتوحًا على جميع أنواع القول التخييلي” (الحقيقة والمنهج ص 223).ليس بمقدور العالم الفيزيائي “معرفة كاملة بالكيفية التي يتحقق بها تصميم”الطبيعة،”بمقدورهم معرفة المخطط الأولي لهذا الكون، ولكن ليس في وسعهم معرفة شكل وحجم كل لبنة”، كذلك الشاعر، ليس بمقدوره معرفة كل معاني اللُّغة، بل بمقدوره معرفة ما يدونه منها في قصائده، كما ليس في وسعهم معرفة شكل وحجم الأستعارات للكلمات. هكذا تبدو المعادلة معقدة بين أن تقيس الطبيعة بهندسة اقليدية، وأن تتخيلها بهندسة لا أقليدية. كذلك لايمكن قياس الشعريَّة باللُّغة المكتوبة، فالشعريَّة طاقة جماليَّة تتخلخل كل الكائنات. الهندسة والشعريَّة لا تنتظمان بحرية اللاقواعد، كذلك لايمكنك أن تطبق أغراض الشَّعر العربي على الطبيعة ،فثمَّة تمرد يفرضه التجريب لايقف عند حتميات الأشياء، وكما يقول جمال الدين ابن الشيخ: ” لم يتمكن الشَّعراء العرب من التجديد إلا بخلخلة الشروط الأساسيَّة للإبداع” (الشعريَّة العربية) ص 162. وما تطور النظرة الهندسية الى الطبيعة الا بداية لخلخلة الرؤية التقليدية التي كانت تفرضها طبيعة الاشياء علينا، لقد شكَّل مبدأ الريبة تحولًا هائلًا في الفيزياء وفي الهندسة وفي الطبيعة، وها هو المبدأ نفسه يحدث تحولا في الشعريَّة القديمة.








































