آخر تحديث:
بقلم: سعد الكناني
في الأنظمة الدستورية الرصينة، لا تُعدّ المدد الزمنية مجرد تفاصيل إجرائية، بل هي جزء من بنية الشرعية ذاتها. فالوقت في النظام الديمقراطي ليس مسألة تنظيم إداري، وإنما عنصر جوهري في تداول السلطة وصيانة الاستقرار المؤسسي. وعندما تُخرق التوقيتات الدستورية دون مسوّغ قانوني واضح، فإن السؤال لا يكون إجرائياً، بل وجودياً: ماذا تبقّى من هيبة الدستور؟
إن تجاوز المدة الدستورية المحددة لانتخاب رئيس الجمهورية والتي انتهت في 28-1-2026 يضع العراق أمام إشكالية دستورية عميقة تتجاوز شخص الرئيس أو طبيعة التحالفات السياسية، وتمس جوهر العقد الاجتماعي الذي يفترض أن يحكم العلاقة بين الدولة والمجتمع.
الدستور العراقي رسم تسلسلاً زمنياً واضحاً لتشكيل السلطات بعد الانتخابات. هذه المدد لم توضع عبثاً، بل لضمان منع الانسداد السياسي، وتقييد إرادة الكتل المتنازعة بإطار زمني يحول دون تحويل الاستحقاقات إلى أدوات ابتزاز سياسي. غير أن التجربة العراقية خلال الدورات السابقة كشفت نمطاً متكرراً من التعامل الانتقائي مع النصوص الدستورية؛ حيث تُحترم حين تخدم التوازنات الحزبية، وتُؤوَّل أو تُتجاوز حين تعيقها. وهنا يكمن الخطر: عندما يتحول الدستور من مرجعية ملزمة إلى مادة تفاوض سياسي.
الفراغ الدستوري لا يعني انهيار الدولة فوراً، لكنه يعني اهتزاز ركن من أركان شرعيتها. فانتخاب رئيس الجمهورية ليس إجراءً بروتوكولياً صرفاً، بل هو خطوة لازمة لاستكمال البناء التنفيذي، ولإطلاق المدد اللاحقة المرتبطة بتكليف رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة. وعندما تُعطَّل هذه الحلقة، فإننا أمام ثلاث نتائج خطيرة:
-
إضعاف مبدأ الفصل بين السلطات.
-
تكريس منطق “التوافق خارج النص”.
-
تعميق فقدان الثقة الشعبية بالعملية السياسية.


































