لم تعد الكتابة الإبداعية، في سياقها المعاصر، ممارسة لغوية بريئة أو محايدة، وإنما غدت فعلا معرفيا وجماليا يتقاطع فيه السؤال اللغوي مع السؤال الفلسفي، ويتداخل فيه النص مع القارئ بوصفهما فاعلين في إنتاج المعنى. فالكتابة تنجز معناها داخل اللغة؛ أي داخل شبكة من العلاقات التأويلية التي تجعلها في حالة توتر دائم مع الثابت، والمألوف، والجاهز. ومن هنا، فإن الانحراف داخل اللغة يعد خروجا عليها، وشرطا من شروط حيويتها وقدرتها على إنتاج دلالات جديدة. واللغة، في هذا الأفق، تفهم بوصفها فضاء مفتوحا، تتعدد داخله الإمكانات، وتتزاحم فيه الأصوات، وتتشظى فيه الدلالات تبعا لاختلاف القراء، والسياقات، والمرجعيات الثقافية. وبذلك، تنتقل القراءة من كونها فعل استقبال سلبي إلى ممارسة تأويلية فاعلة، تشارك في بناء النص، وتعيد تشكيله من الداخل، كونه مشروعا مفتوحا على الاحتمال. وفي هذا السياق، تغدو الكلمة حقلا من المعاني الممكنة. فكل قارئ يضع تحت الكلمة معناه الخاص، أو صورته الذهنية عنها، وهي صورة غالبا ما تكون ناقصة أو جزئية. غير أن هذا النقص يتحول إلى شرط جمالي، ولا سيما في النصوص التي تراهن على التعدد، وترفض الانغلاق على معنى واحد، أو الخضوع لتأويل مهيمن يختزل النص في دلالة نهائية. فالنص الجميل هو ذاك الذي يسمح بارتكاب (مشاكسات جميلة) إن جاز التعبير، أي قراءات لا تطابق قصد الكاتب، ولكنها تظل وفية لأفق النص وإمكاناته. ومن هنا، تغدو الانزياحات الدلالية، والمعاني المضادة، وحتى سوء الفهم، عناصر جمالية ما دامت لا تدّعي امتلاك الحقيقة النصية، ولا تسعى إلى إقصاء غيرها. فالتأويل التفاعلي في هذا الإطار، مشاركة، وليس هيمنة، وحوار مفتوح بين النص والقارئ. وهو ما يفضي إلى تصور مختلف للقراءة بوصفها فعل اجتراح، أي ممارسة خلاقة تنتج داخل لغة النص لغة أخرى، وداخل معناه معنى مغايرا. إن هذا الاجتراح لا يتحقق إلا عبر زحزحة الحدود التي تفصل بين الثنائيات: المعنى/ المضاد، المركز/ الهامش. وهي عملية لا تستهدف الهدم بقدر ما تسعى إلى إعادة توزيع الدلالة، وتنظيف خامات الكتابة والإبداع من كل ما يثقلها بالجاهز، والمقولب، والمكرور. فالإبداع، في جوهره، مساءلة دائمة لأدواته وخاماته. وفي هذا الإطار، يصبح الإبداع فعل اختراق للمألوف الذي يغلف وعينا بوصفه سقفا منخفضا، يحدّ من حركته، ويمنع تسرب (المائع) على حد تعبير جيل دولوز، ذلك العنصر الحر القابل للتشكل المستمر. والمائع هنا طاقة كامنة، لا تتجلى إلا حين تكسر الأشكال الصلبة، وتذاب القوالب الجاهزة. والكتابة الحقة هي تلك التي تذيب الأشكال، وتعيد صهرها في نص يقوم على الاختلاف والتجاوز. وهكذا، يتبدّى النص بوصفه ممارسة مقاومة جمالية للثبات، وللتصنيف، وللأنواع المغلقة. فالنص الذي يذعن لقوانين النوع، ويخضع لإكراهات الشكل الجاهز، يفقد قدرته على المفاجأة، وإنتاج الدهشة، وزعزعة أفق التوقع. أما النص الذي يغامر بالخروج على هذه القوانين، فإنه يفتح أفقا جديدا للقراءة، ويعيد تعريف العلاقة بين الشكل والمضمون. يستدعي هذا التصور صدى فلسفة جيل دولوز، الذي يرى أن التعدد لا ينال بالشعارات، ولا يتحقق بالتصريح اللفظي. فليس كافيا أن نعلن (يحيا المتعدد) ما لم نمارس التعدد فعليا في الكتابة، وليس كافيا أن نعلن سقوط الأنواع الأدبية ما لم نكتب كتابة تفقد هذه الأنواع معناها وحدودها. فالتعدد، عند دولوز، فعل إبداعي ينجز عبر كسر الوحدة، وتقويض النسق المغلق، وفتح المجال أمام الاختلاف. وتقودنا فلسفته إلى مفهوم الصيرورة، بوصفها حالة دائمة من التشكل والتحول. فالنص، في ضوء الصيرورة، لا يستقر على معنى نهائي، ولا يبلغ نقطة اكتمال، وإنما يظل في حالة حركة مستمرة، تتغير دلالاته بتغير القراءات، والسياقات، والأزمنة. وهذا ما يجعل النص كائنا حيا، يمنح القراءة دورا أساسيا في إبقائه في حالة حياة. وتتداخل هذه الرؤية مع مقولات رولان بارت النقدية، ولاسيما في مفهوم (موت المؤلف)، الذي يعني تحرير النص من سلطة القصد الواحد. وعبر انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤلف إلى القارئ، يغدو النص نسيجا من الاقتباسات، والرموز، والإشارات الثقافية، التي لا تكتسب معناها إلا داخل فعل القراءة. وهنا، يصبح القارئ شريكا في الكتابة، لا مجرد متلقٍ لها. ويعزز بارت هذا التصور عبر تمييزه بين النص القابل للقراءة والنص القابل للكتابة. فالأول يقدّم معناه جاهزا، ويطلب من القارئ استهلاكه، بينما الثاني يغوي القارئ للمشاركة في إنتاج المعنى، ويستفزه على التأويل، ويشركه في اجتراح دلالاته. وفي هذا النوع من النصوص، تتحول القراءة إلى لذة، تتجسد في تجربة معرفية وجمالية تقوم على الانحراف، والالتباس، والتعدد. ومن جهة أخرى، تقودنا هذه الطروحات إلى أفق التفكيك عند جاك دريدا، ولا سيما مفهوم الاختلاف/الإرجاء، الذي يؤكد أن المعنى لا يحضر كاملا، ولا يستقر في نقطة واحدة، وإنما يتأجل باستمرار عبر سلسلة لا نهائية من الإحالات. فكل دال يحيل إلى دال آخر، وكل معنى يفتح على معنى مغاير، ما يجعل النص فضاء لا نهائيا للقراءة. ويأتي التفكيك، في هذا السياق، بوصفه ممارسة قرائية تهدف إلى الكشف عن توتراته الداخلية، وانزياحاته، وتناقضاته الكامنة. إنه فعل فتح، لا إغلاق، وإتاحة، لا اختزال. وعبر التفكيك، تستعاد خامات الكتابة بوصفها مادة حية، قابلة لإعادة التشكيل، لا بوصفها بنية مكتملة، لذا يتحتّم على الناقد في إطار الحراك التغايري أن يتأثث بالمعرفة، ويوظف انطباعاته الذاتية وميوله الشخصية عند مقاربته لهذه الخامات، لأن هذه الانطباعات والميول ذات قيمة في قراءة النصّ بوصفه فضاءً تحويليًا متعدد المستويات. فالنص، في منظومة هذا الحراك، يمتلك من التفاعلات داخله ما يجعله قادرًا على إنتاج المعنى والجمال من ذاته، ويجعل كل تدخل مباشر من القارئ أو الناقد ضرورة لمتابعة سير التفاعلات وتحولات النص. ويسعى أيضا إلى كشف شبكة العلاقات الداخلية للنص، وتتبع مسارات التشظي، وإعادة البناء التي تخضع لها تفاعلات الخامات، فضلا عن التأويل الذي يفرض تفاعلا واعيا في حركة التحول الداخلي للنص. وبذلك، يصبح التفاعل شرطًا من شروط الإبداع الأدبي الناضج، وضرورة من ضرورات التحليل النقدي الذي يكرّس للنص طاقته الذاتية، إذ يظل المتلقي في دائرة التفاعل المباشر مع بنية النص المتحولة، ويتجنب كل إغراء للتفسير الخارجي الذي يقلل من قدرة النص على إنتاج المعنى بنفسه. وهنا يتحقق الهدف الجمالي والمعرفي، فيصبح النقد أداة لفكّ شيفرات النص الداخلية ومتابعة حراكه الإبداعي.
وعلى أساس ما تقدم، يمكننا القول: إن خامات الكتابة والقراءة مشروع مفتوح على الدوام. فهي لا تتنقى إلا عبر القراءة المتعددة، والكتابة التي تجرؤ على الانحراف عن السائد، والتأويل الذي يرفض الهيمنة، ويحتفي بالاختلاف. إنها خامات لا تزدهر إلا حين تترك مفتوحة على المشاكسات الجميلة كما قلنا، والمعنى الناقص، والاحتمال الذي لا يغلق. وفي زمن تتكاثر فيه النصوص، وتتسارع فيه وسائل النشر، تظل الحاجة ماسة إلى كتابة لا تستسلم للجاهز، ولا تهادن المألوف، وإنما تمارس حريتها داخل اللغة، وتدعو القارئ إلى ممارسة حريته في القراءة. فهنا، فقط، تتحقق الكتابة بوصفها فعلا إبداعيا، وتتحقق القراءة بوصفها شراكة في إنتاج المعنى، ضمن حراك تغايري لا يتوقف.