بغداد/ شبكة أخبار العراق- في كشف جديد يسلط الضوء على حجم الفساد المالي في مؤسسات الدولة، أكدت تقديرات اقتصادية أن إلغاء ازدواج الرواتب وامتيازات كبار المسؤولين في العراق يمكن أن يوفر نحو 3.4 مليار دولار سنوياً، وهو رقم يعادل أكثر من نصف إجمالي الإيرادات غير النفطية المحققة خلال عام 2024، مما يعيد فتح ملف الإصلاحات المالية المتعثرة في البلاد،وكشف خبير الاقتصادي، أن عدد المسؤولين المشمولين بهذه الامتيازات يبلغ نحو 5000 مسؤول، يتوزعون على الرئاسات الثلاث والوزارات والمحافظات والجهات المستقلة. وتبلغ التكلفة السنوية للمسؤول الواحد نحو مليار دينار عراقي (حوالي 680 ألف دولار)، تشمل نفقات الحماية والحراسة والعلاج والسفر والبدلات المختلفة، ليصل المجموع الكلي إلى 5 تريليونات دينار (3.4 مليار دولار) سنوياً.وأشار إلى أن “هذه الامتيازات أدت إلى خلق طبقة مسؤولين لا تتجاوز واحداً في المئة من الشعب العراقي، لكنها تتركز لديها الثروات، مما وسع الفجوة بينهم وبين المواطنين ً
المقارنة مع الإيرادات غير النفطية تقدم صورة أكثر وضوحاً لحجم هذا المبلغ. فبحسب هيئة مراقبة الواردات، بلغت الإيرادات غير النفطية المحققة فعلياً في عام 2024 حوالي 6 مليار دولار. هذا يعني أن المبلغ الذي يمكن توفيره من إلغاء الامتيازات (3.4 مليار دولار) يمثل أكثر من 56% من تلك الإيرادات.بعبارة أخرى، فإن الأموال التي تذهب سنوياً كمخصصات وامتيازات لـ5000 مسؤول فقط، تعادل أكثر من نصف ما تجنيه الدولة العراقية من ضرائب ورسوم وجمارك وإيرادات أخرى طوال عام،وان قصة إلغاء الامتيازات تعود إلى أكتوبر/تشرين الأول 2019، حين أقر مجلس النواب العراقي قانون إلغاء الامتيازات المالية للمسؤولين (رقم 28 لسنة 2019)، تحت ضغط التظاهرات الاحتجاجية التي اجتاحت البلاد. وشمل القانون:
· إلغاء بدلات الإيجار للنواب والمسؤولين
· إلغاء تخصيصات العلاج الطبي في الرئاسات الثلاث وجميع مؤسسات الدولة
· تقليل عدد السيارات المخصصة للرئاسات والوزراء
· إيقاف استئجار الطائرات الخاصة إلا للوفود الرسمية
· تخفيض مخصصات الإيفادات إلى 25% من قيمتها السابقة
· إلغاء جميع الحمايات للرئاسات الثلاث السابقين منذ 2003
لكن القانون ظل معطلاً لسنوات، رغم مروره بكل المراحل التشريعية، في مشهد يعكس حجم التحديات التي تواجه أي إصلاح حقيقي في بنية الدولة.في عام 2023، بدا أن هناك إرادة حكومية لتحريك المياه الراكدة. أصدرت الأمانة العامة لمجلس الوزراء تعليماتها الخاصة بتنفيذ قانون إلغاء الامتيازات، وشملت:
· منع تخصيص أية مبالغ مالية للعلاج ضمن موازنة 2023
· سحب جميع السيارات التي تزيد على الحد المقرر
· سحب جميع السيارات المخصصة للمسؤولين السابقين بعد عام 2003 خلال 60 يوماً
لكن مراقبين يرون أن التنفيذ الفعلي يواجه عقبات كبيرة. يقول رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري: “هناك صراع على السلطة وجزء منه الامتيازات، لا أتصور أن القوى السياسية ستمضي بهذه القرارات، قد تكون هناك نية صادقة لتنفيذ البرنامج الحكومي، لكن في النهاية ستصطدم القرارات بصراع القوى السياسية على الامتيازات”.وكما أن “القوى السياسية قد تتمرد على هذه القرارات وتنقلب على رئيس الوزراء في تطبيقها، كما حصل مع حيدر العبادي عام 2015”.
إلى جانب الامتيازات، يبرز ملف ازدواج الرواتب كأحد أهم مصادر الهدر. ففي يونيو/حزيران 2020، أصدر مجلس الوزراء القرار رقم 27 لسنة 2020، الذي يقضي بإيقاف ازدواج الرواتب ومستحقات محتجزي رفحاء، واقتصارها على شخص واحد فقط.
وشمل القرار تنفيذ المادة (10) من قانون التعديل الأول لقانون التقاعد الموحد، بشأن إلغاء النصوص القانونية كافة التي تسمح بالجمع بين راتبين أو أكثر، باستثناء فئات محدودة جداً. لكن هذا القرار واجه بدوره اعتراضات من بعض الكتل النيابية التي اعتبرته مساساً بحقوق فئات معينة.وفي سياق موازٍ، تواصل الحكومة سعيها لتعظيم الإيرادات غير النفطية كهدف استراتيجي لتقليل الاعتماد على النفط. وأعلنت وزيرة المالية طيف سامي في مايو/أيار 2025 أن الاقتصاد العراقي سجل نمواً في الناتج المحلي غير النفطي بنسبة 5% خلال عام 2024، مع توقعات باستمرار النمو بنسبة 4% في عام 2025.
ويهدف المنهاج الحكومي إلى زيادة مساهمة الإيرادات غير النفطية في الموازنات العامة لتصل إلى 20% من إجمالي الإيرادات، بدلاً من معدلاتها التاريخية التي لم تتجاوز 10%. لكن تحقيق هذا الهدف يواجه تحديات كبيرة، أبرزها استمرار هيمنة قطاع النفط على 60% من الناتج المحلي.ويزداد المشهد تعقيداً مع استمرار العجز المالي. فقد حذر الخبير الاقتصادي منار العبيدي في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 من أن العراق يواجه عجزاً مالياً حاداً قد يتجاوز 15 تريليون دينار نهاية 2025، نتيجة ارتفاع النفقات العامة مقابل محدودية الإيرادات غير النفطية.
وكما أن السعر الحالي للنفط (68 دولاراً للبرميل) لا يكفي لتحقيق التوازن المالي، حيث يحتاج العراق إلى 81.6 دولاراً للبرميل، ما يعكس محدودية خيارات الحكومة لسد العجز المهدد بالتفاقم.وما تقدمه أرقام إلغاء الامتيازات (3.4 مليار دولار سنوياً) هو دليل ملموس على وجود فجوة هائلة بين التشريع والتنفيذ في العراق. فبينما تنفق الحكومة جهداً ووقتاً في البحث عن موارد جديدة عبر فرض ضرائب ورسوم، هناك موارد ضخمة يمكن توفيرها ببساطة عبر تطبيق قوانين موجودة أصلاً.ويزداد المشهد إثارة للتساؤل مع استمرار تردي الخدمات. ففي الوقت الذي يبحث فيه المواطن عن أبسط مقومات الحياة من كهرباء وماء وصحة وتعليم، تذهب مليارات الدولار سنوياً كامتيازات لفئة لا تتجاوز 0.006% من السكان.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، أكد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أن العراق يواجه عجزاً مالياً بسبب ارتفاع الإنفاق الحكومي مقابل محدودية الإيرادات، مشيراً إلى أن إنفاق الدولة في 2024 بلغ 150 تريليون دينار من أصل موازنة 220 تريليون دينار.هذه التصريحات تتركب الباب مفتوحاً أمام احتمالية التحرك الجاد لتنفيذ قانون إلغاء الامتيازات، خاصة مع تصاعد الضغوط الشعبية والحاجة الملحة لتوفير موارد إضافية.يبقى أن التنفيذ الفعلي لهذه الإصلاحات سيكون اختباراً حقيقياً لإرادة الحكومة في ترشيد الإنفاق ومكافحة الهدر. فالمبلغ الذي يمكن توفيره ليس مجرد رقم في موازنة، بل هو أموال يمكن توجيهها لخدمة المواطنين وتحسين واقع الخدمات المتردية، أو لخلق فرص عمل للعاطلين، أو لدعم شبكات الحماية الاجتماعية التي تعاني عجزاً كبيراً.






































