سطوة القضاء العراقي

سطوة القضاء العراقي
آخر تحديث:

بقلم:محمد واني

العراق يقف اليوم على مفترق الطرق. إما أن ينهض وينفض عنه غبار سنوات تسع عشرة عجاف من النهب والسلب والتبعية والطائفية الميليشياوية، ويؤسس لحكم وطني رشيد يطبق الدستور ويهتم بالشؤون العراقية الداخلية وينهي صلته تماما بالمحاور الخارجية، عراق يحكمه قضاة لا يخشون في الحق لومة لائم ولا سطوة أحزاب طائفية، أو يبقى محكوما من قبل مؤسسات قضائية تحوّل معظمها إلى أداة طيعة تنفذ ما يملى عليها؛ تحوّل المجرم إلى بريء، والبريء إلى مجرم!

اتهم سليم الجبوري بالإرهاب وفق القانون 4، وفجأة انتقل من محكوم بالإعدام إلى رئيس للبرلمان. ورافع العيساوي برّأته المحكمة لينغص حياة محمد الحلبوسي وخميس الخنجر، وقد يقرر طارق الهاشمي بدوره تسليم نفسه إلى المحكمة، مادام سيطلع من القضية كما تطلع “الشعرة من العجين” ويتم محو كل التهم الثقيلة الموجهة إليه بغمضة عين.

انتظرت المحكمة الموقرة “غير المسيسة” مرور 15 عاما على تصويت البرلمان الكردي على قانون النفط والغاز، لتتذكر فجأة أن قرار إقليم كردستان مخالف لمواد الدستور العراقي؛ ليس مادة واحدة 110 و111 و112 و115 و122 و130!

أي أن المحكمة ظلت نائمة طيلة هذه السنيين و”رجلها بالشمس” كما يقول المثل العراقي، وانتظرت إلى أن شكل الديمقراطي الكردستاني تحالفا ثلاثيا مع التيار الشيعي الصدري والسيادة السنية الحلبوسية لتلزم الإقليم بتسليم كامل إنتاج النفط المستخرج من حقوله إلى وزارة النفط الاتحادية، مؤكدة أن  قرارها دستوري، لا يحق للإقليم أن يعترض أو يندد أو يستأنف أو يتملص منه.. وليشرب الجميع من مياه البحر!

هذا هو منطق القضاء ورئيسه فائق زيدان الذي أخفى القرار ولم يظهره إلى أن تعرضت مصالح إيران ومصالح وكلائه المهيمنين على الحكم في بغداد إلى الخطر، ليكشّروا عن أنيابهم ويكشفوا عن أوراقهم ويلعبوا على المكشوف، مطلقين سراح القادة السنة بعد أن أسقطوا عنهم التهم بالجملة.

أخرجوا للحلبوسي البعبع رافع العيساوي والبعبع علي حاتم السليمان، لكي يفسدا عليه الطبخة ويبعداه عن قيادة الساحة السنية. وقد يتبعهما طارق الهاشمي وأحمد العلواني فيما بعد.

أما مقتدى الصدر، ثالث الأثافي في التحالف الثلاثي، فها هم ينفضون الغبار عن ملفه القديم المتعلق باغتيال عبدالمجيد الخوئي، لنشره في أيّ لحظة إن استمر الصدر في عناده. وكان الخوئي قد اغتيل في أبريل 2003.

للقضاء تاريخ أسود في ظل إدارة هؤلاء الطائفيين؛ لعب دورا أساسيا في تثبيت سياستهم داخل البرلمان والحكومة، خاصة في الولاية الثانية لنوري المالكي. وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر قرار المحكمة عام 2006 أن الهيئات المستقلة، مثل هيئة النزاهة والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات وديوان الرقابة المالية والبنك المركزي وهيئة الإعلام والاتصالات وغيرها، “لا تتبع سلطات الدولة وأنها مسؤولة أمام مجلس النواب” بينما نراها تقرر عام 2011 أن “الهيئات المستقلة يجب أن تتبع السلطة التنفيذية”. وبذلك يكون المالكي وأعضاء حزبه قد وضعوا كل السلطات السياسية والمدنية في قبضتهم؛ يدينون ويبرئون ساحة من شاؤوا كما يحلو لهم.

الخطوة الأولى كانت مع مشعان الجبوري، عام 2012، عندما أدين بقضايا عدة، منها الاختلاس والإرهاب وحكم عليه بالسجن 15 عاما ليفرج عنه بعد ساعات، مرورا بسليم الجبوري وعبدالفلاح السوداني (حكم عليه 21 عاما) وقاسم مصلح (القائد الميليشياوي الذي اتهم بقتل الناشط إيهاب الوزني) وغيرهم الكثير..

والعجيب، أننا نراهم بعد كل صفقة من هذا النوع، يخرجون علينا بتغريدة أو بيان يؤكدون فيه رفضهم “لكل محاولات التأثير على القضاء واستغلال ملف المطلوبين سياسيا”، كما صرّح بذلك المالكي لوسائل الإعلام مؤخرا.

بهذا القضاء المسيس أداروا صفقاتهم السياسية الفاسدة في العراق، سرقوا ونهبوا وتسلطوا على رقاب الناس لمدة تسع عشرة سنة، لتحقيق مشروعهم الاستراتيجي “الشرق الأوسط الطائفي الكبير”.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *