العلمانية هي الحل

العلمانية هي الحل
آخر تحديث:

الدكتور صادق إطيمش

في جمعة المتنبي الماضية وقف احد الشباب الملتحين حاملاً لافتة ورقية مكتوب عليها :” المجاهد الإسلامي قد اعطى دمة وروحة (هكذا وردت) من اجل العراق

فماذا قدم العلماني ”

لا نريد مناقشة الاخطاء اللغوية الإملائية على هذه اللافتة بقدر مناقشتنا لمضمونها الذي يتسم بالبعد الذي لا يختلف كثيراً عن البعد الطائفي المؤسس للتفرقة الإجتماعية وإثارة الضغينة والإحتراب بين اهل الوطن الواحد. هذه الأساليب القاتلة للسلم الإجتماعي هي التي تقود مجتمعنا العراقي اليوم وكثيراً من المجتمعات الأخرى إلى المصير المحفوف بمخاطر الصراع الدائم والتفرقة العميقة التي نلاحظ ازدياد عمقها باضطراد مع ازدياد الظاهرة التي تبلورت من خلال التجارة بالدين وتجاهل ثوابت السلم الإجتماعي والتأكيد على كل ما يسير بالمجتمع إلى الخراب والهلاك على مختلف المستويات. وحينما نناقش مسألة التجارة بالدين في السنين الأخيرة ، خاصة في وطننا العراق بعد سقوط البعثفاشية المقيتة، فسنجد، دون اي عناء، مدى النشاط المحموم الذي تمارسه الأحزاب الدينية في هذا المجال ومدى ما حققته من خراب في العلاقات الإجتماعية من جراء تجارتها بالدين التي افرزت العداء الطائفي كواجهة من واجهاتها السوداء. وهكذا برزت تلك الطروحات التي جعلت من مفردة ” الإسلامي ” مفردة ناشزة حينما تبنتها مثلاً ” الدولة الإسلامية في العراق والشام ومختصرها داعش ) او ” دولة الطالبان الإسلامية في افغانستان ” او ” الجمهورية الإسلامية في السودان” او ” حركة بوكو حرام الإسلامية في الصومال” أو ” جبهة النصرة الإسلامية في سوريا ”  وغير ذلك من الحركات التي تجلت فيها مفردة الإسلامي كرديف للعنف والجريمة بحق الإنسانية ، وحتى بحق كثير من ثوابت الدين الإسلامي نفسه. اما ما يتعلق بالأحزاب ” الإسلامية ” فلا حرج في الحديث عما ارتكبته وترتكبه من جرائم بحق شعوبها بدءً بالحاضنة الأساسية لهذه الأحزاب المتمثلة بحركة اخوان المسلمين ومروراً بجرائم جبهة الإصلاح الإسلامية في الجزائر وحركة النهضة الإسلامية في تونس والمؤتمر الإسلامي الذي يضم اكثر من خمسين دولة فاشلة والذي ترعاه وتقوده مملكة الإرهاب التي وضع حاكمها المتخلف نفسه كحامي للحرمين الإسلاميين ، وانتهاءً بالأحزاب الإسلامية العراقية التي وضعها الغزو الأمريكي لوطننا العراق على قمة السلطة السياسية والتي تقود البلد منذ ذلك الحين إلى المآسي المختلفة التي يعاني منها الشعب العراقي على مختلف الأصعدة . فإن كان رافعو شعار ” المجاهد الإسلامي ….. اعلاه ” يعملون ” كما الأحزاب الإسلامية ، على محاولة تجيير حرب تحرير وطننا من عصابات الإرهاب لحسابهم الخاص بعد محاولاتهم البائسة على تجيير كل الدين الإسلامي باسمهم وباحزابهم الماكرة التي لم يجد لها الشعب العراقي غير صفة  الحرامية الذين سرقوا الشعب باسم الدين ” باسم الدين باكونا الحرامية ” ، فلا يسعنا إلا ان نقول لهم خسئتم وخسئت افكاركم السوداء، فحرب التحرير يخوضها الشعب العراقي بجيشه وقواه الأمنية ومتطوعيه اللامنتمين إلى اي فصيل مسلح من فصائل الإسلام السياسي وقوى شعبنا عرباً وكورداً وتركماناً ،من المسلمين والمسيحيين والإيزيديين والمندائيين والشبك ، مشتركة مع كل القوى التي ساهمت في حرب التحرير من خلال الدعم اللوجستي والمادي والإعلامي ومن خلال التجمعات الجماهيرية خارج ميدان المعركة والتي اشارت بكلتي يديها إلى اولئك المجرمين من الإسلاميين في الأحزاب الإسلامية الذين قدموا ارض العراق لقمة سهلة إلى مجرمي الدواعش ومن سار معهم من مجرمي البعث وتجار الدين الذين لم يكتفوا بهذه الخيانة للشعب والوطن ، بل انهم تسارعوا بعدئذ على سرقة الأموال الطائلة التي وُضعت لتلافي آثار هذا الغزو الإسلامي الداعشي على اهلنا في المناطق التي اصابتها كوارث الدولة الإسلامية هذه. وإن كان هناك من الإسلاميين المؤدلجين بفكر التجارة الدينية والمساهمين في حرب التحرير هذه ، فإنهم لا يشكلون إلا الفئة القليلة التي كان لابد لها من التنسيق مع القوى العراقية الكثيرة الأخرى التي شكل المسلمون ، وليس الإسلاميين ، غالبيتها العددية إلى جانب القوى الأخرى التي ذكرناها اعلاه والتي تسعى جميعاً لتحرير الأرض العراقية من ارجاس الدولة الإسلامية والتوجه لبناء عراق ديمقراطي ، عراق الدولة المدنية وليس الدولة الدينية التي ينشدها الإسلاميون ، تجار الدين الذين سبق وأن ملأوا الأجواء بشعارهم الفاشل ” ألإسلام هو الحل ” إلا أنهم عاجزون عن إخبار الناس أي إسلام يقصدون. إنهم يكذبون على الناس وعلى أنفسهم حينما يدّعون بوحدة ألإسلام التي يطرحون هذا الشعار على اساسها . فنهم يكفرون بعضهم بعضآ ، وينحاز كل منهم إلى إسلامه رافضآ إسلام الآخرين ، ومع ذلك يتبجحون بوحدة الإسلام الذي يريدونه أن يكون الحل ، وهم لا يعنون بهذا ألإسلام سوى إسلام فقهاء السلاطين على إختلاف نزعاتهم وتباين توجهاتهم ، وكل يريد إسلامه هو. فأي إسلام يحمله فقهاء التكفير والتفخيخ والذبح والإغتصاب ….؟ وعن أي إسلام يتحدثون….؟ . يقولون ألإسلام السني فيخرج رهط فقهاء هذا لإسلام كل يريد أن يجعل من مذهبه هو المقصود بين المذاهب ألأربعة ، لا بل وحتى منتسبو المذهب الواحد لا يتفقون على الطائفة المذهبية التي يريدون . ويقولون ألإسلام الشيعي ، فتخرج التيارات الشيعية ألإثنا عشرية والإسماعيلية والعلوية والزيدية وغيرها من الفروع والتشعبات ألأخرى ، يدعو كل منها إلى مذهبه وطائفته . وهكذا يتوزع دين الفقهاء إلى أكثر من سبعين فرقة وملة وطائفة كل منها تدعي إنها الفرقة الناجية وما سواها في النار ، ثم لا يخجلون من الصراخ ” ألإسلام هو الحل ” ولم يجهدوا أنفسهم بإيضاح ما يدّعون . ولو فعلوا ذلك فلا يتعدى إيضاحهم مقولة العودة إلى السلف . وهنا يختلط الحابل بالنابل بتشويش أكثر وتشويه أفضع لإسلام السماء حينما يربط فقهاء السلاطين إسلامهم ببعض العتاة والظالمين ، لا بل والفاسقين من السلف الذي يدعونه من أمثال من وضعوا أنفسهم على قمة ألخلافة ألإسلامية بعد نهاية الخلافة الراشدية التي إنتهت معها محاولات ألإلتزام الحق بتعاليم إسلام السماء وحلت محلها تعاليم إسلام فقهاء السلاطين والملوك وذوي الجاه والمال . ألإسلام هو الحل شعار بدائي في أفكاره لا يجد له موقعآ حتى في عقول من يرددونه لأنهم لا يفقهون ماذا يرددون، وكيف يحققون عمليآ ما يدعون . وحينما يربطون وحدة ألإسلام بآلية ممارسة الفروض ألإسلامية العامة كالتوحيد والصوم والصلاة والحج والزكاة التي يمارسها المسلمون على جميع المعمورة بنفس الآلية ، فإنهم يكذبون على الناس وعلى أنفسهم هنا أيضآ، حيث أن مثل هذه المراسيم الدينية لا علاقة لها بالأهداف التي يسعون إليها في ممارساتهم اليومية . فكم من مصلي قتله إرهاب فقهاء السلاطين وهو يصلي في محرابه .وكم من المسلمين ألأبرياء تعرضوا للسجون والمعتقلات والموت تحت التعذيب والنفي والقتل العمد لا لذنب إقترفوه , بل لأنهم لم يخضعوا لتهديدات إرهاب فقهاء السلاطين لهم ولم يستجيبوا لنداءاتهم التضليلية . فأين إذن وحدة ألإسلام التي يدعونها إذا كانت سيوفهم مسلطة على المسلمين قبل غيرهم…؟ .

نصيحتنا للشباب الذين لم يزالوا مخدوعين بدعايات الأحزاب الإسلامية ان يلتفتوا حولهم يميناً وشمالآ ليفتشوا عن اي منجز وطني انجزته هذه الأحزاب لهم ولغيرهم من اهلهم وذويهم واصدقائهم في مجال من مجالات الحياة الإنسانية التي يعيشها انسان القرن الحادي والعشرين من عمر البشرية. وحينما تحاول الأحزاب الدينية ،التي فشلت في شعاراتها ، ان تسعى للنيل من العلمانية التي هي البديل الأسمى لشعاراتهم الزائفة فلا يسعنا إلا ان نقول لتجار الدين هؤلاء ان العلمانية هي الضمانة الأكيدة لحماية المجتمع بكل توجهاته الدينية والإجتماعية والثقافية والفكرية والتي تشكل الأساس القوي للسلام الإجتماعي والتطور المطرد لما فيه خير الإنسان، اي انسان بغض النظر عن دينه او قوميته او لون جلدته. والعلمانية التي ندعوا إليها والتي لا خيار افضل منها لمجتمعاتنا هي التي تساعد المتدين على ممارسة طقوسه الدينية التي يقتنع بها، دون ان تفرض عليه اي نمط معين من هذه الممارسات التي تحميها وتحققها قوانين ودستور الدولة العلمانية الديمقراطية. إن بعض لصوص الإسلام السياسي انما يحاربون العلمانية واصفين اياها بالكفر والإلحاد وما شابه ذلك من اللغو الفارغ، انما يعملون بهذا الإتجاه لانهم يعلمون علم اليقين بان الدولة العلمانية الديمقراطية هي الدولة الوحيدة التي ستقطع عليهم طريق اللصوصية وتغلق امام وجوههم الكئيبة كل ابواب النفوذ لتولي اية مسؤولية ليسوا اهلاً لها لا عِلماً ولا تجربةً ولا ثقافةً. الدولة العلمانية الديمقراطية لا علاقة لها بدين مواطينها قدر علاقتها بتوفير كل الأجواء الآمنة لهم لممارسة طقوس دينهم ضمن قوانين الدولة العلمانية الديمقراطية التي تشكل الضامن والحامي لأديان المواطنين كافة دون تمييز او تفريق بين هذا الدين او ذاك. وحينما نتكلم عن العلمانية الديمقراطية فإننا نعني بارتباط العلمانية بالديمقراطية التي لا يمكن ان تحقق اهدافها دون ارتباط هذين النهجين في بناء الدولة الحديثة. إذ ان هناك من يتبنون العلمانية التي تعني كل ما تعنيه فصل الدين عن الدولة، دون ان يربطوا هذا التوجه بالديمقراطية الضامنة لحقوق وواجبات كل المواطنين على اختلاف نزعاتهم وعلى اختلاف تواجدهم العددي على ارض وطنهم المشترك. وقد عاشت الإنسانية وعايشت بعض هذه التوجهات العلمانية اللاديمقراطية في المانيا وفي ايطاليا واسبانيا وفي كثير من دول اوربا الشرقية وامريكا اللاتينية. وحينما نطالب بالعلمانية الديمقراطية لوطننا العراق ونرفع هذا الشعار المنقذ لنا من ويلات الإحتراب الطائفي الذي اججته احزاب الإسلام السياسي بمذهبيها السني والشيعي، الشعار الذي نعيد بموجبه هوية الإنتماء العراقي فقط واولاً، وليس الإنتماء العربي او الكوردي او التركماني او اية قومية اخرى على ارض وطننا، والتي نعتز بها جميعاً، الشعار الذي يعيد للدولة هيبتها من خلال قوانينها وقضاءها لإبعادها عن احكام وقوانين العشيرة وقضاءها الذي وضع القضاء العراقي جانباً في كثير من مناطق الوطن. حينما نطالب بتحقيق هذا الشعار والدولة التي تتمخض عنه، فإننا لا نبالي بما يتهمنا به اولئك المتربصون على قمة العملية السياسية وفقهاؤهم الذين يحملون اكياس فتاواهم الجاهزة لكل مناسبة وفي كل حين. إن مثل هذه الفتاوى عن الدولة العلمانية الديمقراطية التي لا يستطيع اي مَن يطلقها ان يأتي بدليل واحد على صحة اقواله، ما هي إلا اكاذيب لفقهاء يحللون سرقة المال العام ويحرمون دفاع الضحية عن ماله وكرامته وكل حياته المستباحة من قبل سياسييهم هؤلاء. إن العلمانيين الديمقراطيين في وطننا العراق او على اية بقعة في هذه الدنيا يتحدون فقهاء السلاطين هؤلاء، وبكل قوة، ان يأتوا بدليل واحد يثبتوا به اكاذيبهم حول الدولة العلمانية الديمقراطية، وتأكيد ما يكذبون به على الناس دوماً بان العلمانية كفر وإلحاد. وإن تجاهلوا هذا التحدي فما هم إلا شياطين معممة او من اهل الفتنة والظلال من الداعين إلى استمرار الخراب والقتال بين الناس ومن اعداء السلم الإجتماعي.

 

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *