الصدر ينتقل بخفة بين حبلي الوطن والمذهب

الصدر ينتقل بخفة بين حبلي الوطن والمذهب
آخر تحديث:

بقلم:فاروق يوسف

لا يُلام مقتدى الصدر في استعراضاته المتكررة، بل يقع اللوم على مَن يصدق تلك الاستعراضات ويشارك فيها. وإذا ما كان مناصرو الصدر قد انخفض عددهم بسبب ما أصيبوا به من خيبات نتجت عن سلوك زعيمهم الملتبس والغامض الذي أدى في النهاية إلى أن يتم تزييف نتيجة الانتخابات بقرار من الصدر نفسه فيستلم المهزومون في انتخابات عام 2021 دفة الحكم في العراق، غير أن ذلك الانخفاض في عدد المناصرين لا يعني أن الصدر فقد شعبيته، بدليل أنه لا يزال قادرا على ابتكار أشكال وأساليب استعراض جديدة يعتقد أنها تؤهله لتعكير مزاج الطبقة السياسية المتنفذة التي كانت دائما تقف في انتظار خطوته التالية التي يمهد من خلالها لعودته إلى العملية السياسية بعد انسحابه المذل وقد كان منتصرا. وليس “التيار الوطني الشيعي” الذي أعلن الصدر عن رفع لافتته بدلا من “التيار الصدري” سوى استعراض جديد، لن يحصد منه العراقيون سوى المزيد من الفوضى التي تعصف بفكرة إقامة دولة في العراق وتزيد من استحالتها.

إن كان الصدر يمارس ألعابا ساذجة ومبسطة من خلال اللعب بالتسميات وإبدال شعار بآخر من غير طرح برنامج عمل سياسي، يكون قاعدة للعمل الوطني النزيه في مقاصده والواضح في ثوابته العملية، فإنها صفة تخدم الأطراف التي تمكنت من القبض على مفاصل الدولة الهشة ومكنت النظام السياسي الذي كاد يسقط نهاية عام 2019 من إعادة إنتاج آليات وجوده، بحيث عاد فتيا وقويا بأجهزته الأمنية وميليشياته والأهم بالغرف السرية التي تدير عمليات الفساد التي نجح في أن يخلق لها امتدادات إقليمية. فليس هناك غطاء آمن تتم تحته أكثر عمليات الفساد دهاءً وحبكة مثل الفوضى التي يسببها ظهور واختفاء مقتدى الصدر بين حين وآخر. وإذا ما قلت إن هناك مَن لا يزال يراهن على الصدر في مسألة إنقاذ العراق من محنته لا أبالغ في التشاؤم أو التفاؤل بقدر ما أصف وضعا فكريا رثا بدأ في سنة الاحتلال الأميركي الأولى بظهور “جيش المهدي” ويجد في “التيار الوطني الشيعي” مادة تغنيه عن النظر إلى الواقع بطريقة علمية محايدة.

لو لم يكن هناك انفصال في العقل السياسي العراقي، وهي تسمية مجازية، لما استطاع مقتدى الصدر أن يستمر زعيما لتيار سياسي، يضعه الآخرون في حساباتهم. هناك هزل مؤلم في الحياة السياسية العراقية ولكن مَن يضحك على مَن؟ يكتب الكثيرون بجد مبالغ فيه عن إمكانية أن يقلب الصدر المعادلات القائمة. وهي معادلات لا قيمة لها في العالم الحقيقي للسياسة. فالصدر هو ابن النظام الطائفي ولو لم يقم الأميركان النظام الطائفي لما كان هناك ذكر له ولا لسواه من أركان العملية السياسية في العراق. ذلك أولا، وثانيا فإن الصدر مهما تحذلق في وطنيته فإنه طائفي إلى النخاع كما يُقال، ولو لم يكن كذلك لما تصدر المشهد الشيعي. أما الأمر الثالث فإنه يتصل بإيران الممسكة بخيوط العملية السياسية وهي لو شاءت لمحت الصدر في لحظة واحدة ولا يهمها في ذلك رأي محبيه. هناك مَن يزعم أن الصدر مجرد كذبة إيرانية أريد من خلالها خلق معارضة على غرار المعارضة الإيرانية التي هي جزء من النظام.

ينتقل الصدر بخفة بين حبلي الوطن والمذهب. تلك عادته التي هي ليست جديدة. وإذا ما تحدثنا عن وطنية مقتدى فلا بد أن نعود إلى أزمة والده الذي رفض مرجعية النجف التي يسيطر عليها الإيرانيون. تلك عقدة أدرك مقتدى أنه لن ينتصر عليها حتى لو رفع أمامها شعار الوطن. فالإيرانيون اليوم لا يحكمون النجف وحده، بل العراق كله. ذلك ما دفع به إلى أن يتمسك بالمذهب لكن من خلال مدخل وطني، من غير أن يستغرق كثيرا فيذكر العراق في اللافتات التي يرفعها من أجل التعريف بتياره. يصعب على الصدر أن يكون عراقيا وهو يعلن شيعيته التي صارت بحكم العادة السياسية مذهبا إيرانيا. وهو ما يخالف التاريخ والحقيقة. واقعيا فإن شيعة العراق هم عراقيون أولاً. ولأن الصدر كان مخاتلا في كل استعراضاته فإنه لم يكن عراقيا إلا من وجهة المروجين له أو الذين دفعتهم النوايا الحسنة إلى اعتباره بطلا قوميا. أما الرجل في حقيقته فإنه أشبه بالفزاعة التي يضعها المزارعون في حقولهم من أجل طرد الطيور.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *