أردوغان والأسد، صفقة سترضى عنها إيران

أردوغان والأسد، صفقة سترضى عنها إيران
آخر تحديث:

بقلم:إبراهيم الجبين

لم يكن ينقص مسار التطبيع التركي مع نظام الأسد، والذي تم الاعتراف ببعده الاستخباراتي، ويتبقى منه التطبيع الدبلوماسي الذي أكثر المسؤولون الأتراك من الحديث عنه، سوى هجوم صحيفة “البعث” السورية الناطقة باسم الحزب الحاكم الأربعاء الماضي على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بعد أن أعلن الأخير بساعات، ولمرة جديدة، أن اللقاء بينه وبين بشار الأسد سيحدث عاجلا أو آجلا.ماذا أرادت الصحيفة التي يمرّر من خلالها النظام رسائله أكثر من غيرها بصب لعناتها على الرئيس التركي، ونعته بـ”العثماني غير الوفي لتعهداته”؟ إن كان النظام السوري يريد بالفعل تطبيع علاقاته مع تركيا بعد قطيعة دامت عقدا من الزمن، فما الذي يعنيه قول محرر “البعث” “بين ليلة وضحاها انقلب أردوغان على نفسه، وعلى من دفعه ليكون طرفا في الحرب الإرهابية على سوريا”؟

كما أن انتقادات أردوغان للولايات المتحدة الأميركية لدعمها حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه إرهابيا وفي الوقت ذاته تعتبره في سوريا “شريكا على الأرض”، ممثلا بما تعرف باسم “قسد”، لم تمنع السوريين في دمشق من مواصلة استثمارهم في لحظة الضرورة السياسية والأمنية التي تعيشها تركيا، فهذا الموقف على حد وصف الصحيفة “لن ينفع الآن، لأنه جاء كنتيجة حتمية للغرور السياسي الذي سيطر على هواجس أردوغان وأحلامه بإعادة المجد العثماني البائد”.

المفارقة أن الداعم الأكبر لحزب العمال الكردستاني وواجهته “قسد” التي يهيمن عليها فرع الحزب السوري “حزب الاتحاد الكردي”، ليس الولايات المتحدة ولا الاتحاد الأوروبي، بل نظام الأسد نفسه، وكان أبرز دعم قدّمه لهذا الحزب بعد إسهامه في تدريبه وتمويله سواء في سوريا أو في معسكراته في سهل البقاع اللبناني، هو إخلاء ثلاث محافظات كبرى في سوريا، وتسليمها بالكامل بثرواتها ونفطها ومياهها وسكانها إلى ميليشيا أجنبية تركية.

كانت تلك إستراتيجية مزدوجة تهدف إلى الضغط على تركيا من جهة، ومن جهة أخرى تعمل على نقل الصراع بين المواطنين السوريين من ثنائية الشعب مقابل الأسد إلى الشعب مقابل الشعب بمكوناته المختلفة، حتى لو تطلب الأمر استجلاب ميليشيا من غير الجنسية السورية، كما حصل مع حزب الله اللبناني ولواء “فاطميون” وغيره من الألوية التي دعمت جيش الأسد في تمشيط سوريا وقمع المواطنين تحت رايات مختلفة، محاربة الإرهاب، والدفاع عن المزارات الشيعية في سوريا إلى آخر تلك السلسلة الدامية.

قبل عام من الآن، وعلى ورق هذه الصحيفة، كتبنا أن التطبيع السوري التركي سيكون حلا لمشكلة واحدة يعاني منهما الطرفان ستتفاقم حتى تدفعهما إلى التحالف لوضع حد لها، مشكلة حزب العمال الكردستاني. بدا الحديث عنها نوعا من استشراف احتمال نفاه الكثيرون، مستبعدين أن يضطر الأسد إلى قمع حلفائه في “قسد” أو أن يجد أردوغان نفسه مختارا أو مجبرا على الخيار ذاته لحسم الحالة التي وجدها على حدوده الجنوبية والتي أفاد منها كثيرا في بادئ الأمر، حين كانت نوعا من المصيدة التي تجمّع فيها كل أعداء تركيا من الأكراد، بعد أن كانوا متفرقين في البلدان، وباتت ما تعرف باسم “الإدارة الذاتية” في شمال سوريا، المكان المناسب ليلوذوا به ويقيموا فيه دويلة ترفع صور زعيمهم عبدالله أوجلان الذي يقبع في سجنه التركي.

كانت تلك الحالة مؤقتة لكافة الأطراف، لكل من شجّع عليها ودعمها، بدءا من الولايات المتحدة التي أرادت محاربة إرهاب داعش بإرهاب كردي تركي عابر للحدود، لكنها لم تتكلّف حتى عناء رفع هذه الميليشيا من قوائم الإرهاب في وزاراتها، وهي تدرك أن لهذا الاستخدام ساعة ميقاتية ستحين عاجلاً أو آجلاً.الأسد من جانبه، لم يقبل ولن يقبل بما تطلبه منه “قسد” ومجلسها الديمقراطي الملفق، ولن يوافق على انضمام لواء كردي إلى جيشه وإلا لكان ضم إلى صفوفه كتائب عصائب الحق وحزب الله اللبناني وغيرها، ما الذي سيجعله مضطرا إلى شيء كهذا؟ كما أنه لا يجد نفسه مجبرا على الموافقة على أي مطلب آخر يتمثل في ما تعتبره “قسد” حقوقا سياسية قومية للأكراد، ولو كان سيوافق على ذلك لتقبّل ما تطلبه منه المعارضة السورية المقيمة في دمشق التي تنادي بأقل من ذلك بكثير.

ثالث الثلاثة هو الرئيس التركي الذي ترك حالة الشمال السوري تتطور حتى نضجت، وتمكّن ببراعة من استخدامها في مفاوضات انضمام السويد وفنلندا إلى الناتو، حتى أنه فرض عليهما إدخال تعديلات دستورية ترغمهما على تصنيف المنظمات المشابهة إرهابية، ليشمل ذلك حزب العمال الكردستاني، وما يزال قائما شعور بالحاجة إلى استمرارها حتى العام القادم لاعتبارات انتخابية محلية، وكذلك لملفات أخرى تتصل بروسيا وهو ما سيوصلنا إلى إيران حتما.لم تمانع إيران من صفقة التطبيع التي عقدها حزب الله مع إسرائيل، من أجل الغاز في المياه الإقليمية اللبنانية، ولن تمانع من تطبيع سوري تركي مشابه، فالإيراني لديه فلسفة مختلفة للقياس، وسبق له أن اشترى بنفسه السلاح من عدوّه الرئيسي المعلن (إسرائيل) خلال الحرب العراقية الإيرانية.

وإيران تتلاقى مع تركيا في الحلف الأوراسي، وفي الجانب المتعلق بالإسلام السياسي ودوره في المنطقة، لكنهما تتفارقان في قضايا كثيرة في مقدمتها حدود نفوذ كل منهما، والذي باتت سوريا رقعة أساسية له.أي عمل عسكري في شمال سوريا ستقدم عليه تركيا، من دون الاتفاق مع الأسد، ومن خلفه إيران، لن يرضي القادة في طهران، وأي عمل من هذا النوع بوجود اتفاق مسبق، سيكون هدية مسمومة لإيران اعتادت على تجرّعها بإرادتها، حتى حين.

ولهذا كله تنصح صحيفة “البعث” الرئيس التركي قائلة “من الضروري ألا يغامر أردوغان أكثر من ذلك، ولا يغامر بأي عمل عسكري مهما كان حجمه. لكن لا يظنّن أردوغان أن الثمن سيكون قليلاً، بل على العكس لأن للدولة السورية شروطها الخاصة”.وفي الواقع من سيدفع الثمن مجددا لن يكون سوى الأكراد، لقبولهم لعب دور الورقة بيد اللاعبين، فتقليص خارطة هيمنة حزب العمال الكردستاني في شمال سوريا، لن يزعج الأسد فالمهمة التي أرادها من هذا الحزب قد انتهت، لكنه يريد ثمنا لذلك في المقابل. ولن تدافع الولايات المتحدة عن “شركاء الأرض” الأكراد، فقد خذلتهم في شمال العراق، سواء في استفتاء الاستقلال الذي أعلنه مسعود بارزاني، أو خلال الشهرين الماضيين في حالة استهدافهم من قبل الإيرانيين عسكريا وصولا إلى تهديد إسماعيل قاآني باجتياح عسكري بري لكردستان العراق.والحالة الجديدة التي ستنشأ في الشمال السوري، والتي ستملأ الفراغ فيها فصائل المعارضة السورية المدعومة من تركيا، ستكون بدورها مؤقتة، لكن ذلك لا يمنعها من اعتبارها تمهيدا إضافيا لطريق التطبيع مع دمشق والذي يتبادل فيه الطرفان السوري والتركي شروطا سيقال عنها حينها إن لكل حادث حديث.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *