{الشاكرية} لكريم العراقي محاولة لاستعادة فردوس مفقود

{الشاكرية} لكريم العراقي محاولة لاستعادة فردوس مفقود
آخر تحديث:

عبدالرزاق الربيعي

على امتداد سنوات عمري، مثلت لي «الشاكرية» التي ولدت فيها، ودرجت على ترابها، وغادرتها، وأنا ابن سنتين، حين أجبرت أسرتي على الخروج منها، فأصبحت «فردوسا مفقودا»، وبقيت أسمع تفاصيل عنها، من أفواه أبي وأمي، يرحمهما الله، ومعارفنا، وظلت تلك التفاصيل بعيدة عن التدوين حتى بدأ الشاعر كريم العراقي بنشر سلسلة كتابات ذات طابع سردي في مجلة «الرياضة والشباب» الإماراتية قبل أكثر من عشر سنوات، تحت عنوان «ذئاب الشاكرية»، في ذلك الوقت، وفي حوار أجرته معه إحدى القنوات الفضائية أواخر العام 1999 قال العراقي إنه ينوي كتابة رواية عن «الشاكرية»، فحييت خطوته بمقال نشرته بجريدة «الزمان» اللندنية بتاريخ 24/11/1999، وقلت به «إن الشاكرية» أكبر من حدائق وبيوت طينية بل تتجاوز ذلك إلى أن تشكل ذاكرة لمرحلة سياسية مهمة من تاريخ العراق، وتعكس صورة للتناقض الطبقي، فجوار تلك البيوت الطينية كانت تشيد القصور الفارهة، حتى زحفت عليها لتقتلعها من جذورها، وقبل شهور قليلة قرأت خبرا عن صدور رواية العراقي «الشاكرية» عن دار ميزوبوتاميا في بغداد بـ240 صفحة من القطع الوسط.تاريخ مجهول سعدت كثيرا لهذا الخبر، لأن هذا العمل من شأنه أن يلقي الضوء على حياة مكان أزيل من خارطة بغداد، ككيان يضم تجمعا بشريا، لأناس نزحوا من الجنوب، حيث الماء والخضراء وقسوة الإقطاع، من مالكي الأراضي الزراعية التي كانوا يعملون بها زراعا، واستقروا ببغداد على ضفة نهر دجلة الخالد، من جهة الكرخ، وظل تاريخها مجهولا، ولم يقترب منها، على المستوى الإبداعي، سوى الصديق الشاعر حميد قاسم في روايته «بيان أول للطفولة»، وكانت ملامسته لها، من باب ملامسة الطفولة، خلال استذكار صديقه «ياسين» الذي ابتلعته الحرب العراقية-الإيرانية خلال الثمانينيات، وهكذا ظلت كتابات من استدعى «الشاكرية» نصيا، تدور في فلك العاطفة، والذاكرة الانتقائية، فلم يكتب أحد تاريخها مراعيا الموضوعية، والتقصي التاريخي لحقيقة الأحداث التي مرت بتلك المدينة /القرية التي سكنتها عائلات مسحوقة، بنيت من بيوت الصفيح، والصرائف التي شيدت في العهد الملكي، ومن ثم هدمت لتحل محلها لتتحول الى موقع لـ(القصر الجمهوري)، واليوم هي جزء من «المنطقة الخضراء».سيرتان وحين وصلتني نسختي من الرواية التهمت صفحاتها التي تسربت إليها لغة الشاعر، وغمرتها بجمالياتها، وهذا شجعني على المضي بقراءتها إلى الآخر، بنهم، وحين انتهيت من قراءتها تساءلت: هل الرواية سيرة الشاعر؟ أم سيرة مكان؟ تبدأ الرواية بحدث ملفت، من حيث تنتهي «الشاكرية» ليمسك دفة الصراع منذ الكلمات الأولى، فيقول «اليوم.. يوم تاريخي في حياة «الشاكرية»؛ حيث سيذاع على الأهالي- بعد قليل، وبحضورهم- بيان إزالتها.. لذا؛ تجمع الآلاف؛ ليحضروا وداع شاكريتهم، ومن الصرائف والدرابين، انطلق الشاكريون نفيرا.. فالنساء بعباءاتهن السود، تسبقهن جوقات الأطفال، والرجال بأزياء مختلفة بين بنطلون وقميص وعباءة وكوفية و»دشداشة».. وفي آخر «دربونتنا»، صادفت أبي، وأنا أبحث عن أصحابي، لكنه أمسك بيدي مخافة أن أضيع في الزحام».

السهل الممتنع ويكون بذلك قد وضع يده على مفصل مهم من تاريخ «الشاكرية» ثم يصف انعكاسات ذلك الحدث على حياتها، وقلق سكانها وهم يتجهون إلى المجهول، رغم تطمينات الحكومة، آنذاك، أنها ستعوضهم باسكانها في مدينة تقصى أقصى «الرصافة» تحمل اسم «الثورة» التي تسمى اليوم «مدينة الصدر» وخلال ذلك يسعى العراقي إلى تدوين تاريخ «الشاكرية متتبعا الأثر الشعبي فيها من اعتقادات، وطقوس، وغناء مؤرخا للأغنية العراقية حيث ذكر أسماء مطربين شعبيين كحسين سعيدة وسلمان المنكوب وعبادي العماري، وتطرق فيها إلى مصادره الشعرية الأولى والأغاني الشعبية والمناخات التي شكلت تجربته في ما بعد، ليدون الكاتب سيرته ممتزجة بسيرة المدينة، فـ»أمين» بطل الرواية معادل لـ»كريم»، والتفاصيل التي ذكرها، سمعت بعضها من الأهل، والشخوص التي تتحرك على الورق هي شخصيات لها جذور واقعية، فقدم صورة عن الحياة العراقية، في الفترة التي تدور أحداث روايته خلالها، وفي هذا السياق يقول الكاتب رأفت السويركي عن الرواية إنها «رواية أدخلتنا إلى الشارع العراقي لغة وجسدا وفكرا.. والسحر كل السحر في بساطتها المذهلة»، فالأسلوب الذي كتبت به الرواية ينتمي لـ»السهل الممتنع»، وفي ذلك تشابه أشعار كريم العراقي، حيث البساطة في الطرح، وملامسة الوجدان، دون الانسياق وراء نظريات الكتابة الحديثة وأساليبها. لقد أراد العراقي أن يستعيد «الشاكرية» من ذاكرته، ويبنيها من جديد، على الورق، لأنها قرينة طفولته التي يبحث عنها في زمان تسرب، من بين أصابع سنوات عمره، ومكان اختفى من الوجود، قبل أن يرتوي منه وجدانيا!

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *