العدالة الباكية في العراق

آخر تحديث:

بقلم:ابراهيم الزبيدي

سواء كنا معارضين للراحل صدام حسين أو موالين له ولنظامه فإن محاكمته، بقضاتها وادعائها العام وشهودها ومهاتراتها، ثم طريقة شنقه الاحتفالية في أول أيام عيد الأضحى، كانت حفلة ثأرية عراقية إيرانية طائفية وكرديةعنصرية في أحدِ وجهيْها، وأمريكيةً انتقامية في وجهها الآخر.

فاختيار موضوع الدجيل وقتلى الاعتداء على موكبه، وهو رئيس للجمهورية، كان اختيارا مفضوحا مقصودا لذاته أريد به تثبيت هوية الحكم الجديد الطائفية، وتعميق الانقسام المذهبي والعرقي والديني والمناطقي في الجسد العراقي،وإعلانا عن إطلاق اليد الإيرانية في شؤونه، وتسليم السلطة لنخبة وكلاء النظام الإيراني الحلفاء المدللين لإدارة الإحتلال الأمريكي، لكي يجري الذي جرى، بعد ذلك، من تهجير وتغييب وترهيب وتهميش دفع الشعب العراقي وشعوب المنطقة، أمس، واليوم، وربما إلى سنين قادمة، دون ريب أثمانه دما وفقرا وخوفا وفرقة.

فلو كان هدف المعسكر الإيراني من المحاكمة، أحزابا ومليشيات ومرجعيات، ومن ورائها القيادة الأمريكية، هو البحث عن العدالة المطلقة، بتجردٍ وحياد وموضوعية،لإنصاف القتلى العراقيين في عهده من مختلف الطوائف والقوميات والأديان، ومنهم عددٌ من أبناء قرية العوجا نفسها، مسقط رأسه، وتكارتةٌ عسكريون ومدنيون كبار كثيرون، لكانوا حاكموا صدام حسين بأي واحدة من تلك الجرائم المرتكبة ضد أبناء طائفته أو مدينته أو أسرته، لكي يبرهنوا على حيادهم ورغبتهم في بناء عراق ديمقراطي حقيقي موحد وعادل وعاقل ومعافى من الطائفية والعنصرية والمناطقية، ولكان العراقيون غير ما هم عليه اليوم من فقر وبؤس وخراب بيوت.

ثم زادوها وبالغوا في الانتقام الهمجي باعتقال وزراء ومسؤولين مدنيين وعسكريين في النظام السابق مشهودٍ لهم بالنزاهة والخبرة، خدموا الدولة العراقية، والمواطن العراقي، أيا كان دينه أو طائفته أو عرقه أو منطقته، بذمة وشرف وأمانة ونزاهة يشهد لهم بها أهل محافظات الجنوب قبل أهل الوسط والشمال، وأمعنوا في إذلالهم بقلة شرف وضمير، حتى مات بعضهم تحت التعذيب أو بالإهمال والمرض، وصادروا منازلهم ونهبوا ممتلكاتهم وشردوا أسرهم، تنفيذا لأوامر مشددة كانت تأتيهم من وراء الحدود.

والذي يوحي بأن الحكام الجدد المجاهرين بالتعامل مع الدول الأجنبية كانوا مأمورين بتهشيم الدولة العراقية وقتل روح المواطنة الواحدة هو أنهم لم يعترفوا بإنجازات العهد السابق، ولم يحافظوا عليها ويبنوا عليها ويطوروها، بل تعاونوا على نسفها كلها، فخربوا الثقافة، وأفشلوا الري والزراعة، وأشاعوا الفوضى في التجارة، وأباحوا الاختلاس، وقاموا بتفكيك المصافي والمصانع وتهريبها إلى إيران وتركيا، واستهتروا بالسيادة، وسلطوا مليشياتهم على السفارات العربية والأجنبية، وعلى الشركات الدولية التي كانت متعاقدة مع الحكومة العراقية السابقة، أو القادمة للمساهمة في التطوير والإعمار، لإجبارها على الرحيل لمنع أي أحد من خدمة الوطن والمواطن، الأمر الذي جعل العراق دولة فاشلة تعيش على الهبات والقروض بعد سرقة ثرواتها وأموالها باسم الله ورسوله وآله، وهم منهم ومن موبقاتهم براء.

أما التمسح بمظلومية الشيعة والأكراد العراقيين فلم يكن أكثر من كلمة حق أراد بها الباطل أؤلئك المتاجرون بالطائفية والعنصرية، لتحقيق أمجاد لا يستحقونها.

وواهمٌ جدا أو مغفل من يصدق بأن أمريكا، ومعها دول التحالف الدولي، كانت راغبة حقا في منع جماعات الإرهاب الإسلامي الشيعي والسني من الدخول إلى العراق، ناهيك عن إقامة ديكتاتورية العقيدة الواحدة.

بعد هذه المقدمة ننتقل إلى الحديث عن تقرير لبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR) طالبتا فيه بـ “إجراء تحقيقات مستقلة وفعالة لتحديد مصير ما يقرب من 1000من الرجال والصبيان المدنيين الذين اختفوا خلال العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش في محافظة الأنبار في عامي 2015 و2016، ومحاسبة الجناة، وتوفير العدالة والإنصاف لأسر الضحايا“.

وذلك تزامناً مع اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري لهذا العام في 30 آب/أغسطس. واستنادا لتقرير (هيومن رايتس ووتش) فأن عدد المغيبين و المختفين قسريا في العراق يتراوح بين ٢٥٠ ألف ومليون شخص، وهذا هو الرقمالأعلى في العالم.

ومعروف أن الاختفاء القسري يعني أن أحداً قام باختطافهم وإخفائهم في أماكن مجهولة قد لا تعلم بها حتى حكومة العراق الديمقراطي الجديد.

هذا فيما يخص الذين تم توثيق اختفائهم من قبل منظمات إنسانية عالمية متخصصة. ولكن ماذا عن مئات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال الذين لم يوثق أحدٌ وقائع طردهم من منازلهم في مدن ديالى وصلاح الدين ونينوى والأنبار، وفي البصرة والناصرية والديوانية والنجف وكربلاء، وفي العاصمة أيضا، وتم تهجيرهم داخل الوطن وخارجه؟.

أما نهب المنازل ونسفها وحرقها، وأما حالات الاعتداء على الأعراض، والابتزاز، والمتاجرة بالرقيق والمخدرات، وأما العبث بأمن مدنٍ كاملة تسمى (محررة) والإقامة فيها لإرهاب أهلها، وأما الإهانات التي تُوجه لأكبر راس في الدولة، وللقائد العام للقوات المسلحة، وللبرلمان، وأما الاستعراض الاستفزازي بالسلاح في عقر دار الحكومة، وأما الاغتيالات العلنية والسرية للمتظاهرين، وأما الخطف وطلب الفدية، فالحديث عنها يطول ويطول.

إن الذين كانوا، أيام المعارضة العراقية السابقة، يطالبون أمريكا وأوربا بمعاقبة صدام حسين بسبب مقابره الجماعة،هم أنفسُهم الذين برعوا، في عهدهم غير الميمون، في فنون المقابر الجماعية والإخفاء القسري لمئات الآلاف من العراقيين، بدوافع ثأرية طائفية أو عرقية، أو بأوامر من خارج الحدود.

ومنذ سنين ونواب ووزراء سابقون ومسؤولون آخرون يتحدثون، علنا على شاشات التلفزيون، عن سجون سرية تابعة لمليشيات وأحزاب يملكها ويديرها متدينون جدا يقيمون كل عام، ويقيمون هذه الأيام، مواكبَ عزاءٍ مهيبة ضخمة يبكون فيها كثيرا، ويلطمون كثيرا على الإمام الحسين وعلى نسائه وصغاره الأبرياء لأنه قُتل مظلوما، ولأنهم قُتلوا معه مظلومين.

أما آلآف المظلومين الأبرياء الذين يقبعون في سجونهم السرية سنواتٍ دون محاكمة، أو الذين دفنوهم في مقابر سرية جماعية، فلا يعرف أسرارَها إلا الله ورئيسُ الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي ومعاونوه، ونوري المالكي وهادي وقيس الخزعلي وسفير الولي الفقيه. سؤال أخير ومهم، هل يقرأ الكاظمي، هذا المقال؟

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *