ظاهرة الوزير الطرطور

ظاهرة الوزير الطرطور
آخر تحديث:

بقلم:اياد السماوي

كثيرة هي الظواهر السلبيّة التي رافقت العملية السياسية بعد سقوط النظام الديكتاتوري في العراق , ولعلّ السبب الأساس في تنامي هذه الظواهر السلبيّة واستفحالها بعد سقوط الديكتاتورية , هو الاحتلال الأمريكي نفسه الذي أوكل مهمّة بناء مؤسسات النظام الجديد الديمقراطية إلى ما يسّمى حينها بأحزاب المعارضة العراقية .. حيث أثبت الواقع أنّ هذه الأحزاب التي أوكلت إليها مهمّة بناء النظام الديمقراطي الجديد في العراق وكتابة دستور البلاد , لم تحظى حتى بالقدر الأدنى من الشرف والنزاهة والوطنية , وقادة هذه الأحزاب أفّاقون وفاسدون ولصوص محترفون .. فبينما كان الشعب يتطلّع لبناء نظام ديمقراطي يزيل آثار الديكتاتورية المقيتة وإجرام البعث القذر ويعيد للناس كرامتهم وحريتهم وحقّهم في العيش الكريم بعيدا عن الحروب العبثية التي خاضها النظام الديكتاتوري وتسببت بقتل وفقدان مئات الآلاف من أبناء الشعب وتدمير البنى التحتية للبلد وإعادته إلى عصور ما قبل دخول الكهرباء إلى العراق , وإذا بهذا الشعب المسكين يقع فريسة مرّة أخرى بيد زمر من شراذم الأرض لا أحد يعرف كيف ومن أين جائت وكيف استطاعت أن تصل إلى رأس السلطة في البلد وتحدث هذا الشرخ في بنية النسيج الاجتماعي وتحوّل المجتمع العراقي إلى مجتمع ينخره الفساد والجريمة المنظّمة .. ومن هذه الظواهر السلبيّة التي التصقت مع نظام المحاصصات الطائفية والقومية والحزبية , هو ظاهرة الوزير الطرطور الذي لا يهش ولا ينش ويخضع خضوعا تاما للكتلة السياسية التي رشّحته وزيرا .. حيث برزت ظاهرة الوزير الطرطور في الحكومة السابقة والحكومة الحالية بشكل جلي وفاضح .. وهؤلاء الوزراء ليسوا أكثر من أداة طيّعة بيد مدراء مكاتبهم الذين يتمّ تعينهم من قبل الكتلة السياسية التي رشّحت الوزير ..

والوزير الطرطور يتمّتع بكافة امتيازات الوزير المادية والمعنوية , إلا من شيء واحد وهو الكرامة , فالوزير الطرطور قد استغنى عن كرامته لصالح امتيازاته وبهرجة حياته , فإدارة الوزارة ليست بيد الوزير الطرطور بل بيد الكتلة السياسية التي رشّحته وليس بإمكانه رفض أي طلب لهذه الكتلة .. ظاهرة الوزير والمسؤول الطرطور استخدمتها كلّ الكتل السياسية دون استثناء كجزء من نظام المحاصصات المتوافق عليه من قبل الجميع , وقبل بها الوزراء والمسؤولين الطراطير الذين قبلوا امتهان كرامتهم مقابل الامتيازات المادية وحياة البهرجة التي يتمتعون بها .. فأنتجت لنا هذه الظاهرة نوع من المسؤولين في مناصب الدولة العليا ممسوخين تماما من الكرامة .. وهكذا نوع من المسؤولين كانوا يرون الفساد والرشوّة ونهب المال العام في وزاراتهم ولم يحرّكوا ساكنا , والنزيه بهم من يرى الفساد والنهب ويصمت , أما غير النزيه فهو شريك بالفساد والنهب للمال العام , وكلّ صفقات الفساد تجري بعلمه .. لا أريد تسمية وزير بعينه لأنّ أغلب الوزراء الذين جاؤوا عن طريق المحاصصة هم طراطير مع سبق الإصرار والترّصد .. وإذا كانت عملية الخلاص من نظام المحاصصات شبه مستحيلة في الظرف الحالي , فلا بدّ من انقاذ بعض الوزارات المهمة جدا من نظام المحاصصات الذي أنتج الوزير الطرطور , كوزارة النفط والكهرباء والمالية والداخلية والدفاع والصحّة والتخطيط , فبقاء هذه الوزارات المهمّة بيد وزراء خاضعين بالكامل لهذه الكتل الفاسدة , سيؤدي حتما إلى ما انتهت إليه وزارات النفط والكهرباء والتخطيط والصناعة والصحّة .. ولعلّ وزارة النفط التي تدار من قبل تيّار الحكمة ووزارة الكهرباء التي تدار من قبل تيّار سائرون هما الأكثر وضوحا على ظاهرة الوزير الطرطور التي استفحلت في زمن الحكومة الحالية والحكومة التي سبقتها , وكذا الحال بالنسبة لوزارات الصناعة والتخطيط التي تدار من قبل حزب رئيس مجلس النواب .. فبؤسا وتعسا لكلّ وزير تنازل عن كرامته لصالح امتيازاته وترك وزارته تنهش بها لصوص الكتل الفاسدة ..

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *