على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي بغداد، تقف جرف النصر، المعروفة سابقاً بجرف الصخر، كواحدة من أكثر المناطق العراقية إثارة للجدل منذ عام 2014؛ منطقة زراعية ذات تضاريس معقدة، لكنها تحولت خلال سنوات قليلة من ساحة حرب مع تنظيم داعش إلى عقدة أمنية وسياسية تتقاطع فيها ملفات السلاح والنفوذ والنازحين وسيادة الدولة.
تكمن أهمية الجرف في موقعها الاستراتيجي الذي يربط بغداد بمناطق وسط وجنوب العراق، وقربها من طرق بابل وكربلاء والنجف والأنبار، ما جعل السيطرة عليها ذات قيمة عسكرية وأمنية كبيرة.
لكن قصة الجرف لم تبدأ مع داعش. فمنذ السنوات التي أعقبت 2003، كانت المنطقة جزءاً من البيئة التي شهدت نشاط تنظيم القاعدة وجماعات مسلحة، مستفيدة من البساتين والمبازل والمسطحات المائية التي جعلت ملاحقة المسلحين أكثر تعقيداً، حتى ارتبط اسمها بما كان يعرف بـ**«مثلث الموت»** جنوب بغداد.
ومع تصاعد نفوذ داعش عام 2014، أصبحت الجرف إحدى أهم مناطق التنظيم في شمال بابل، فيما بدأت موجات النزوح من المنطقة قبل معركة التحرير نفسها، وسط ظروف أمنية وإنسانية قاسية.
من معركة التحرير إلى منطقة مغلقة
في 23 تشرين الأول 2014، بدأت القوات العراقية وفصائل الحشد الشعبي عملية عسكرية لاستعادة الجرف، عُرفت باسم «عملية عاشوراء»، وانتهت باستعادة المنطقة خلال أيام.
لكن انتهاء المعركة لم يكن نهاية قصة الجرف، بل بداية فصل أكثر تعقيداً.
فبعد التحرير، بقيت قوات وفصائل شاركت في العمليات داخل المنطقة، وتحولت الجرف تدريجياً إلى منطقة أمنية مغلقة، بينما ظل حضور مؤسسات الدولة المدنية محدوداً مقارنة بالنفوذ الميداني للفصائل المسلحة.
ومع مرور السنوات، ظهرت تقارير تتحدث عن مخازن أسلحة ومواقع عسكرية ومراكز تدريب، بل وذهبت تقارير أخرى إلى الحديث عن منشآت مرتبطة بتطوير الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وفي المقابل، تؤكد شخصيات سياسية ومحلية أن استمرار الإجراءات الأمنية يرتبط بطبيعة المنطقة وما خلفته المعارك من ألغام وعبوات ومخلفات حربية، فضلاً عن المخاوف من عودة النشاط الإرهابي.
وهنا انقسمت الروايات إلى مسارين: رواية ترى أن الجرف منطقة أمنية لا يمكن فتحها قبل استكمال التطهير والتدقيق، وأخرى ترى أن الإجراءات الأمنية تحولت مع مرور 12 عاماً إلى واقع دائم حرم آلاف العائلات من العودة.
12 عاماً من النزوح
ظل ملف النازحين أحد أكثر جوانب قضية الجرف إيلاماً.
وتشير بيانات حكومية متعاقبة إلى وجود آلاف العائلات المرتبطة بملف جرف الصخر، مع اختلاف الأرقام بحسب مراحل التسجيل والتدقيق. وفي السنوات الماضية، تحدثت الجهات المختصة عن آلاف الأسر التي لا تزال تنتظر العودة، فيما خضع جزء من العائلات للتدقيق الأمني وأصبح مؤهلاً للعودة بانتظار الإجراءات النهائية.
ولم يعد النزوح بالنسبة إلى كثير من أبناء الجرف مجرد فقدان منزل، بل تحول إلى فقدان أرض ومصدر رزق واستقرار اجتماعي.
فأغلب سكان المنطقة كانوا يعتمدون على الزراعة والبساتين، فيما وجد كثير منهم أنفسهم بعد سنوات النزوح أمام واقع اقتصادي واجتماعي مختلف تماماً، خصوصاً مع تراجع الخدمات وتراكم آثار الحياة في المخيمات.
ويقول باحثون في الشأن السياسي إن استمرار النزوح كل هذه السنوات خلق أزمة تتجاوز الجانب الإنساني، لتطال الثقة بالدولة والمصالحة المجتمعية ومستقبل المنطقة نفسها.
«قاعدة عسكرية» أم عقدة أمنية؟
ازدادت القضية تعقيداً مع تقارير تحدثت عن استخدام أجزاء من الجرف لأغراض عسكرية، وربطتها بوجود مخازن ومواقع تابعة لفصائل مسلحة.
وفي 2018، تحدثت تقارير دولية عن وجود صواريخ إيرانية قصيرة المدى في العراق، وأُدرجت جرف الصخر ضمن المواقع التي قيل إنها استُخدمت لتخزين أسلحة.
كما تعرضت مواقع داخل الجرف خلال السنوات الماضية لضربات جوية، من بينها ضربات في 2024، قالت واشنطن إنها جاءت في إطار إجراءات دفاعية بعد رصد تحضيرات لهجمات ضد القوات الأميركية.
ومع تصاعد التوتر الإقليمي خلال عام 2026، عاد اسم الجرف إلى واجهة الأحداث مجدداً، بعد سلسلة ضربات وانفجارات استهدفت، وفق تقارير، مواقع ومخازن تابعة للحشد الشعبي في المنطقة.
وهكذا لم تعد الجرف مجرد منطقة نزاع على عودة السكان، بل أصبحت جزءاً من معادلة أمنية إقليمية أوسع تتداخل فيها حسابات إيران والولايات المتحدة والفصائل المسلحة والدولة العراقية.
الجرف.. عنوان للصراع السياسي
لم يبقَ ملف جرف النصر داخل حدود الأمن، بل تحول إلى عنوان للصراع السياسي العراقي.
ففي الوقت الذي يطالب فيه سياسيون بإعادة النازحين وفتح المنطقة أمام سكانها، تتمسك قوى أخرى بضرورة استمرار الإجراءات الأمنية والتدقيق قبل السماح بأي عودة واسعة.
وتسببت التصريحات المتبادلة حول الجرف في كثير من الأحيان بتفسيرات طائفية، ما جعل الملف أكثر حساسية وأبعده عن الحلول الهادئة.
ولهذا يحذر سياسيون وباحثون من تحويل قضية الجرف إلى صراع هويات، مؤكدين أن الحل الحقيقي يجب أن يقوم على عودة من تثبت سلامة موقفه القانوني، ومحاسبة من تثبت إدانته، مع ضمان أمن المنطقة وفرض سلطة الدولة.
ما بعد 30 أيلول.. ساعة الاختبار
عاد ملف جرف النصر إلى الواجهة بقوة مع اقتراب موعد 30 أيلول 2026، وهو الموعد الذي حددته القوى السياسية لحصر السلاح بيد الدولة.
ومع تصاعد الحديث عن إجراءات حكومية لتوسيع حضور القوات النظامية في المناطق التي تسيطر عليها فصائل مسلحة، أصبحت الجرف واحدة من أبرز نقاط الاختبار أمام سياسة بسط سلطة الدولة.
وتشير الطروحات المتداولة إلى اعتماد إجراءات تدريجية، تشمل تطويق المواقع الحساسة، وتشديد نقاط التفتيش والمراقبة، وتنظيم حركة السلاح والمسيّرات، بدلاً من الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة قد تفتح الباب أمام صدام واسع.
وفي المقابل، شهدت المنطقة ومحيطها تحركات شعبية مؤيدة لبقاء الحشد، وسط رفض ما يوصف بأنه استهداف سياسي أو طائفي للمنطقة.
المعادلة الأصعب
بعد 12 عاماً، لا تبدو أزمة جرف النصر قابلة للحل بقرار أمني منفرد، ولا بإعلان سياسي عن العودة.
فالملف يحتاج إلى تفاهم بين الحكومة الاتحادية والقوات الأمنية والفصائل وأهالي المنطقة، يحدد الوضع القانوني والأمني للجرف، ويضع جدولاً واضحاً للتطهير والتدقيق وعودة السكان، بالتوازي مع ضمان عدم استخدام المنطقة منصة لتهديد العراق أو جرّه إلى صراعات خارج حدوده.
الجرف اليوم أمام اختبار مختلف عن كل السنوات السابقة:
هل تتحول من منطقة مغلقة إلى منطقة تعود إليها الدولة والسكان معاً؟ أم تبقى صندوقاً أسود مفتوحاً على السلاح والنفوذ والنزوح؟











































