إنذار “ستاندرد آند بورز” الأخير: هل ينجو الاقتصاد العراقي من ثلاثية الضعف الهيكلي؟

إنذار “ستاندرد آند بورز” الأخير: هل ينجو الاقتصاد العراقي من ثلاثية الضعف الهيكلي؟
آخر تحديث:
خالد الخفاجي

     أبقت وكالة “ستاندرد آند بورزعلى التصنيف الائتماني السيادي للعراق عند مستوى وهو تصنيف يضع الدولة رسمياً ضمن فئة المضاربة أو ما يُعرف بـ “السندات عالية المخاطر”.  ويعني هذا الرمز باختصار أن العراق يواجه مخاطر ائتمانية جوهرية مع وجود هامش أمان ضيق للغاية للوفاء بالتزاماته؛ فالشق الأول يشير إلى ضعف مالي حاد على المدى الطويل يجعل الدولة عاجزة عن السداد أمام أي تراجع اقتصادي، بينما الشق الثاني يؤكد تعرض السيولة النقدية لمخاطر مستمرة على المدى القصير. وفي خطوة ذات دلالة مزدوجة، أزالت الوكالة التصنيف من قائمة المراقبة السلبية، لكنها منحته في الوقت ذاته “ظرة مستقبلية سلبية”  للستة إلى الاثني عشر شهراً المقبلة. وهي توليفة تحمل رسالتين: الأولى طمأنة آنية بأن أسوأ السيناريوهات لم يتحقق بعد، والثانية تحذير صارم بأن مقصلة التخفيض لا تزال قريبة وباحتمال مرتفعأولاً: العوامل المحركة للقرار (ثلاثية الضعف العراقي(حددت الوكالة ثلاثة محددات رئيسة تقف خلف نظرتها التشاؤمية، وتكشف عورة المشهد الاقتصادي:1. المخاطر الجيوسياسية المتصاعدة: أشارت الوكالة صراحة إلى “مخاطر الصراع في الشرق الأوسط”، مما يعني أن استقرار العراق لم يعد يُقاس بمؤشراته المالية الداخلية، بل أصبح رهينة لميزان القوى الإقليمي ومسار الصراعات المحيطة التي لا ناقة له فيها ولا جمل.2. هشاشة الممرات التصديرية: حذرت الوكالة من اضطرابات طرق التجارة عبر مضيق هرمز. وهنا يتجلى جوهر الضعف الهيكلي؛ فكون 95% من الإيرادات العامة معتمدة على منفذ بحري واحد، يجعل الدولة بأكملها مهددة بالاختناق المالي عند أي شرارة أمنية في الخليج.3. الاعتماد المطلق على النفط: أكدت الوكالة أن “اقتصاد العراق لا يزال يعتمد بشدة على قطاع النفط”، وهي العبارة الكلاسيكية المتكررة في تقاريرها منذ عقدين، لتثبت فشل خطط التنويع الاقتصادي وتحول الدولة إلى مجرد “دكان لبيع الخام“.ثانياً: الاختلالات البنيوية المنسية بجانب المؤثرات الخارجية التي ركزت عليها الوكالة، يعاني الاقتصاد العراقي من تشوهات داخلية حادة تُعمّق من خطورة هذا التصنيف:

  • تضخم النفقات التشغيلية (الإنفاق الاستهلاكي): التضخم المرعب في فاتورة الرواتب والموازنة التشغيلية على حساب الموازنة الاستثمارية والتنموية، مما يحرم الاقتصاد من بناء قاعدة إنتاجية حقيقية.
  • شلل القطاعات الإنتاجية: الموت السريري لقطاعات الصناعة والزراعة، وتحول العراق إلى سوق استهلاكي مفتوح يعتمد بالكامل على الاستيراد، مما يجعل الأمن الغذائي والدوائي مهدداً بشكل دائم.
  • هيمنة القطاع العام البيروقراطي: غياب بيئة حقيقية لتمكين القطاع الخاص، واستمرار الدولة في لعب دور “الموظِف الأكبر”، وهو سلوك انتحاري مع أي هبوط في أسعار النفط.

 ثالثاً: المخاطر والتداعيات الكارثية للتصنيف  لا يعد تصنيف مجرد رقم في تقرير فني، بل هو طوق يلتف حول عنق الاقتصاد الكلي من خلال:

1. ارتفاع كلفة الاقتراض السيادي: يمنع هذا التصنيف “غير الاستثماري” الصناديق العالمية والبنوك الكبرى من الاستثمار في السندات العراقية، مما يجبر الحكومة—في حال رغبت بالاقتراض—على دفع فوائد ربوية باهظة لتعويض المستثمرين عن حجم المخاطر، وهو عبء مالي سيمتد لعقود.

2.     هروب الاستثمار الأجنبي المباشر: النظرة المستقبلية السلبية تبث رسالة رعب للشركات العالمية الكبرى، وتدفعها للتريث أو الهروب من السوق العراقية، مما يحصر الاستثمارات في مشاريع ثانوية قصيرة الأجل.

3.     الضغط الشديد على سلة العملات وسعر الصرف: يضعف هذا التصنيف من موثوقية النظام المصرفي العراقي دولياً، ويزيد من الضغط النزفي على الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي، مما يحد من هامش مناورته النقدية ويهدد استقرار سعر الصرف المحلي أمام الدولار إن المهلة التي منحتها الوكالة (6 إلى 12 شهراً) هي “هدنة مؤقتة” والإنذار الأخير لصانع القرار العراقي. إن أمن العراق الاقتصادي لن يتحقق في ظل البقاء داخل هذه الفئة الائتمانية الخطرة، وطالما ظل الارتباط قسرياً بين مصير عيش المواطن ومصير مضيق بحري خارج حدودنا، مع استمرار العقم الإداري في تنويع مصادر الدخل وتفعيل قطاعات الإنتاج. لقد ولى زمن الركون إلى طفرات النفط، وعلينا البدء بإصلاحات هيكلية حقيقية قبل أن يتحول التحذير السلبي إلى انهيار ائتماني شامل.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *