لا تكمن معضلة العراق التاريخية في شح الموارد أو انعدام الكفاءات البشرية، بل في “تخمة الفساد” التي تحولت على مدار العقدين الماضيين من مجرد سلوكيات منحرفة يمارسها أفراد في الظل، إلى “مؤسسة عقائدية” وهيكل موازٍ يدير الدولة الفعلية من خلف الستار. في بلد يتربع على خامس أكبر احتياطي نفطي في كوكب الأرض، ويضخ يومياً عبر موانئه ومنافذه ما يربو على ثلاثة ملايين ونصف المليون برميل من الذهب الأسود، يبدو المشهد السريالي للمواطن العراقي عصياً على الفهم الفطري؛ بنية تحتية متهالكة تحاكي دولاً خاضت حروباً قروناً طويلة، مستشفيات عامة تفتقر لأبسط المستلزمات الطبية والوقائية، وأزمة طاقة مزمنة تحيل صيف بلاد الرافدين إلى جحيم مستعر.إن هذا التناقض الصارخ ليس نتاج فشل إداري عابر أو قلة خبرة في التخطيط، بل هو نتاج عملية “نحر” منظم وجريمة مستمرة بحق الجسد العراقي وخزينته السيادية. جرى ذلك عبر شبكات فساد عابرة للمؤسسات، تحميها كتل سياسية مسلحة جعلت من الوزارات والدوائر الخدمية “إقطاعيات مالية” لتمويل مشاريعها الخاصة وأجنداتها الحزبية.في خضم هذا الانسداد المزمن وحالة اليأس السائدة، جاءت الإجراءات الرادعة الأخيرة التي يقودها رئيس الوزراء الحالي عليالزيدي لتحدث هزة ارتدادية عنيفة في الركود السياسي العراقي. فالرجل يبدو، حتى اللحظة، ممسكاً بمشرط الجراح، ماضياً في قراراته دون وجل، ومصراً على إكمال المسيرة التي وعد بها، ضارباً بعرض الحائط “الخطوط الحمراء” التقليدية والطبقة الحصينة التي حمت الفاسدين لسنوات. وقد تجلى هذا الإصرار في تصريحاته الحازمة التي أكد فيها أنه “لا حصانة لمسؤول في هذه المرحلة، وزيراً كان أم عضواً في البرلمان، ومهما كانت صفته السياسية أو خلفيته الحزبية، ما دام متورطاً في سرقة قوت الشعب العراقي”.الحاضنة الداخلية: تأييد شعبي جارف بدافع اليأس والإنقاذ على الصعيد الداخلي، استقبل الشارع العراقي بمختلف أطيافه وفئاته الواسعة حزمة الإصلاحات والإجراءات العقابية بحالة من التأييد الجارف التي نادراً ما تحظى بها شخصية حكومية في العراق بعد عام 2003. هذا الالتفاف الجماهيري لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة طبيعية لوصول المواطن العراقي إلى حافة الاختناق. فالشعب الذي دفع ثمن “المحاصصة الطائفية والمكوناتية المقيتة” من دماء أبنائه، ومن ثرواته المنهوبة، وفرص شبابه الضائعة في طوابير البطالة، يرى اليوم في تحركات الزيدي بارقة أمل فريدة وإن جاءت متأخرة لانتشال الدولة من مظهر التخلف وانعدام الخدمات الأساسية. مع ذلك، يجب القراءة الواعية لهذا التأييد؛ فهو ليس مجرد شيك على بياض يُمنح للحكومة، بل هو “تفويض الضرورة القصوى”. فالمواطن العراقي بات يدرك أن الفساد الإداري والرشاوى المنظمة لم تعد مجرد عبء مالي يمكن التعايش معه أو امتصاص أثاره، بل غدت مهدداً وجودياً لكيان الدولة واستمراريتها. إن تحرك الزيدي الجريء قد ضرب نخب الحزبية التقليدية في مقتل، وجعل “رؤوساً كبيرة” كانت تحسب نفسها فوق القوانين والمساءلة تحت طائلة التوقيف والتحقيق القانوني. هذا الاندفاع الحكومي المدعوم قضائياً أكسب الحكومة رصيداً شعبياً هائلاً في الشارع، وهو ما يمثل اليوم “خط الدفاع الأول” وسياجاً جماهيرياً يحمي الزيدي من ارتدادات الدولة العميقة المتضررة، والتي لن تتوانى عن استخدام كل أوراقها لعرقلة هذا المسار الاستئصالي. الديناميكيات الدولية: اليد الأمريكية وإستراتيجية “العصفورين بحجر واحد” رغم أهمية العوامل الداخلية، فإن القراءة السياسية العميقة لـ “ظاهرة الزيدي” وإصراره غير المسبوق على تفكيك شبكات الفساد، لا يمكن أن تكتمل بمجرد النظر إلى الداخل العراقي الإقليمي. فالداخل في بغداد، بحكم الجغرافيا والتاريخ الحديث، مرآة عاكسة وميدان حيوي للصراع الإقليمي والدولي، وتحديداً “المعادلة الأمريكية-الإيرانية” المعقدة. يجمع المحللون الاستراتيجيون والمراقبون للشأن العراقي على أن الإصرار الذي يبديه رئيس الوزراء الحالي مدفوع، وربما محمي، بـ “ضوء أخضر” ودعم لوجستي وسياسي قوي من واشنطن. الولايات المتحدة تجد في هذه اللحظة السياسية فرصة مواتية ومثالية لحسم مجموعة من الملفات الشائكة التي طالما أرقت صانع القرار في البيت الأبيض ووزارة الخزانة الأمريكية. وهنا تتجلى بوضوح إستراتيجية واشنطن الذكية القائمة على مبدأ “ضرب عصفورين بحجر واحد“: أولاً: تجفيف شريان المال وتفكيك النفوذ الإقليمي تدرك واشنطن تماماً أن النفوذ الإيراني داخل العراق لا يتغذى على الأيديولوجيا السياسية أو التقارب الجغرافي فحسب، بل يقوم بالدرجة الأولى على “شريان مالي واقتصادي دفق” يمر عبر القنوات ، والمشاريع الاستثمارية الوهمية التابعة للوزارات، فضلاً عن السيطرة التاريخية على نافذة بيع العملة في البنك المركزي وتهريب الدولار عبر الحدود. بالتالي، فإن تقديم الدعم المطلق لعلي الزيدي في ضرب الرؤوس ومحاسبة النواب والمسؤولين المتورطين يعني تلقائياً تفكيك شبكات التمويل الرمادية والموازية التي تستخدمها الفصائل الحليفة لطهران لتمويل أنشطتها العسكرية والسياسية، ليس داخل العراق فحسب، بل وعلى مستوى الإقليم. إنها عملية تجفيف للمنابع انطلاقاً من العاصمة بغداد وبارتداء عباءة القانون العراقي. ثانياً: إعادة هيكلة الاقتصاد العراقي وإلحاقه بالنظام المالي الدولي العصفور الثاني في الإستراتيجية الأمريكية يكمن في إجبار الدولة العراقية على مغادرة مربع الفوضى المالية والانتقال إلى منظومة الامتثال والشفافية الدولية (مثل منصات التدقيق التي فرضها الفيدرالي الأمريكي على الحوالات الخارجية). مكافحة الفساد وملاحقة الفاسدين تشكل الغطاء المثالي والأكثر شرعية وجاذبية لتمرير هذه الإجراءات الصارمة والقاسية. من خلال هذا المسار، تضمن واشنطن عزل الاقتصاد العراقي عن شبكة العقوبات المفروضة على دول الجوار، وتضمن في الوقت ذاته حرمان خصومها من استخدام أموال النفط العراقي كأداة للمناورة وتخفيف الضغوط الاقتصادية الممارسة عليهم. حرب الوكلاء الجديدة: حسم الصراع بأيادٍ عراقية شرعية تأتي هذه التحركات كارتداد مباشر ومدروس بعناية للحرب غير المعلنة والصراعات الاستخباراتية والأمنية العنيفة التي دارت في الفترات السابقة بين الولايات المتحدة وإيران على أرض العراق. يبدو واضحاً أن الجانب الأمريكي قد أجرى مراجعة شاملة لتكتيكاته القديمة؛ فبدلاً من اللجوء إلى المواجهات العسكرية المباشرة أو الضربات الجوية ضد الفصائل المسلحة ووكلائها والتي كانت تتسبب بإحراج شديد للحكومات العراقية السابقة، وتؤدي إلى زعزعة الاستقرار وتأليب الشارع تحت شعارات “السيادة المنتقصة”، انتقلت واشنطن إلى “الإستراتيجية القائمة على القوة الناعمة والقانونية”. تتمثل هذه الإستراتيجية الجديدة في قطع الطريق على الوكلاء الإقليم
العراق وتهاوي الخطوط الحمراء : تفكيك الإقطاعيات الحزبية والشبكات الرمادية؟
آخر تحديث:
اريان ابراهيم شوكت
