نقوش في الحجر شواهد على تطور الفنون

نقوش في الحجر شواهد على تطور الفنون
آخر تحديث:

روزي مكول* ترجمة: انيس الصفار 

منذ عصور ما قبل التاريخ الى يومنا الحاضر، كانت الرمزية والفن من المعالم الأساسية للسلوك الانساني، وكذلك كانت منذ بدء الخليقة، ولكن كيف تطورت؟ هذا هو السؤال الذي حير العلماء وأسر عقولهم.

من اجل القاء الضوء على هذا الجانب من التاريخ الانساني أجرى الباحثون، الذين نشروا بحثهم في نشرة “وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم”، تجارب متنوعة على شظايا من قشر بيض النعام وصبغة الأوكر (وهي صبغة مكونة من أوكسيد الحديد والطين يتراوح لونها بين الاصفر والبني أو الأحمر- المترجم)، التقطت من كهفي “بلومبوس” و”ديبكلوف روك شيلتر”، وكلاهما واقعان في جنوب أفريقيا، يعود عمر الأول الى 52 ألف سنة مضت، والثاني الى 109 آلاف سنة.

اختير كهفا “بلومبوس” و”ديبكلوف روك شيلتر” نظراً لاحتوائهما على آثار ولقى تحمل آثار نقوش وممارسات تغطي فترة 30 ألف عام، وهذا يمكن العلماء من تحديد الكيفية التي سلكتها تلك النقوش، الى أن تغيرت وتحولت عبر الحقب الزمنية الطويلة، فأقدم القطع تلوح عليها اشكال بسيطة معبر عنها بخطوط متوازية، ولكن الاشكال تصبح أكثر تعقيداً كلما تقدم الزمن، الى أن تتحول الى خطوط متقاطعة اكثر تقارباً مع بعضها مفصحة عن تناظر أعلى.

يقول الباحثون إن هذا الميل نحو الأشكال الأكثر تعقيداً، ربما كان فيه إيضاح للكيفية التي تطورت بها الصورة الى ان أصبحت “أداة فكرية” أرفع فعالية وأعمق أثراً، فعند مقارنة هذه الأدوات بالادوات الأخرى المستخدمة للغايات العملية، مثل الفؤوس الحجرية التي كانت تستخدم لتهذيب البيئة، نجد أن الأدوات الفكرية تخدم عمليات الفهم والادراك، كالتواصل والمتع الجمالية، لذا يمكننا أن نعتبر هذه “الخربشات” الأثرية بمثابة المكافئ التاريخي الغابر لجدران الطابوق المكشوف التي تزين قاعاتنا العصرية أو الطبعات المأخوذة عن لوحات لبيكاسو.

من خلال خمسة اختبارات يبين لنا الباحثون ان الرموز كلما كانت أقرب الى زمننا الحاضر وأحدث عهداً، أصبحت أكثر بروزاً وتحفيزاً على التذكر مع إمكانية أعلى للنسخ، كما كانت أقوى إيحاء بوجود الاسلوب وحضور القصد البشري.

تحرى الاختبار الأول قدرة كل شكل أو صورة على شدّ الانتباه والملاحظة. عرضت على المشاركين في هذا الاختبار اشكال منقولة عن لقى وجدت في كهفي “بلومبوس” و”ديبكلوف روك شيلتر”، إذ جعل هؤلاء ينظرون الى تلك الاشكال بعين، في حين تعرض أمام العين الأخرى الوان تخفق وتتغير. وجد الباحثون أن النقوش كلما كانت أحدث عهداً، تطلبت وقتاً أقصر في التغلغل الى وعي الناظر اليها، فبينما كان المعدل بالنسبة للصور الأقدم هو 2,27 ثانية، بدا المعدل للصور الأحدث 1,82 ثانية.

تركز الاختبار الثاني على القصدية، إذ طلب من المشاركين أن يقيّموا صورتين ويحاولوا تقدير أيهما أرجح احتمالاً لأن تكون من ابداع الانسان. في الاختبار الثالث طلب من المشاركين إعادة رسم الصور التي يرونها تواً بأنفسهم معتمدين على الذاكرة. في الرابع، الذي كانت الغاية منه قياس التقاليد الثقافية، عرضت على المشاركين صورة مجهولة المصدر، وطلب منهم أن يحاولوا تقدير ما إذا كانت تلك الصورة آتية من الموقع ذاته الذي جاءت منه صور أخرى تعرض عليهم للمقارنة مصدرها كهفا بلومبوس وديبكلوف روك شيلتر.

عامل واحد من بين العوامل التي أجريت عليها الاختبارات لم يبد عليه أنه قد تطور مع تقدم الزمن، فقد اختبر الباحثون مدى سهولة تمييز كل نقش، وذلك بعرض صورة على المشاركين اعتبرت صورة “الهدف”، بعدها عرضت عليهم صورتان أخريان هما “الصورتان المنافستان”، واحدة فقط من هاتين الصورتين تتطابق مع صورة الهدف، وكان على المشاركين أن يحاولوا بأسرع وقت ممكن تحديد أيهما هي الصورة المطابقة. هنا لم يبدُ أن عمر النقوش أو موقعها قد أحدثا اختلافاً في سرعة الاستجابة من هذه الناحية، وهذا يوحي بأن عناصر الدلالة على الاسلوب التي ركزت عليها هذه التجربة كانت عرضية، ولم تكن منفذة بقصد ونية إيجابية.

يقول كاتبو الدراسة: “معنى ذلك أنها قد تطورت جراء تأثير عرضي غير مقصود لعمليتي النقل والاستنساخ، أكثر من كونها نتيجة نية صريحة لإيصال هوية الجماعة الى الطرف المتلقي، الأمر الذي كان سيوحي بوجود مسعى متعمد لإيجاد تمييز في الاساليب بين الجماعات.”

يرى كاتبو الدراسة أن النتائج، حين أخذها بجملتها، تشير الى ان النقوش قد ابتدعت لأغراض فنية جمالية، ومن بعد ذلك “تطورت” الى أن اصبحت أسهل لغايات التذكر والمحاكاة. ويضيفون أن الأمر سيصبح أكثر اثارة وتشويقاً حين يتعمقون في هذه الفرضية، عبر ادخال تشكيلة من المشاركين اكثر تنوعاً، للتحقق مما إذا كانت القواعد ذاتها ستبقى قابلة للتطبيق.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *