دائما ما يشكو المندلاوي الجميل لوعة غربتة الفردية , وهاهو ينشر دفقا شعوريا في النص التالي الذي يفيض بشجن عالٍ تحت عنوان غربة : (( لا اشك في أن كثيرا منا وفي أزمنة الكوليرا المتكررة , وهي – والحمد لله – كثر , قد مر بمضمون بيتي المتنبي حين أشاع حساده – وهم كثر أيضا – خبر موته زورا , – بم التعلل لا اهل ولا وطن ولا نديم ولا كاس ولا سكن , اريد من زمني ذا أن يبلغني ما ليس يبلغه من نفسه الزمن – لقد وجد الكثير منا في شعر المتنبي ملاذا لافراغ همه وحائطا يتكيء عليه كلما زارتنا الكوليرا , وهي لا تكف عن زيارتنا ابدا )) ,واستخدامه لمصطلح (( الكوليرا المتكررة )) هو ضرب من الجناس الفكري البديع , فهو لا يقصد الوباء العضوي فحسب , بل تحول الكوليرا إلى رمز لكل أزماته الخانقة .يقول العم جوجول ان هذان البيتين هما مطلع واحدة من أشهر قصائد أبي الطيب المتنبي , قيل إنّه نظمها في العراق بعد أن بلغه أن قوماً نعَوْه في مجلس (( سيف الدولة )) , وفي البِيتُ الأوّل: (( بِمَ التَّعَلُّلُ لا أَهْلٌ وَلا وَطَنٌ / وَلا نَدِيمٌ وَلا كَأْسٌ وَلا سَكَنُ )) , يتساءل المتنبي بحرقة عن أيّ شيء سيتسلى ويطيب خاطره ؟ وهو يعيش اغتراباً مطلقاً , فلا أهل حوله , ولا موطن يأوي إليه , ولا صديق يؤنسه , ولا خمر يلهو بها , ولا بيت يستقر فيه, والبِيتُ الثّاني : (( أُرِيدُ مِنْ زَمَنِي ذَا أَنْ يُبَلِّغَنِي / مَا لَيْسَ يَبْلُغُهُ مِنْ نَفْسِهِ الزَّمَنُ )) , يعبر عن طموحه الجامح الذي يتجاوز المألوف , فهو يطلب من زمانه أن يحقق له المجد والمنزلة العظيمة التي يعجز الزمان بطبيعته عن إدراكها وتحقيقها لأحد , ومن بلاغتها ذلك الاغتراب المُطلق بأستخدامه لحروف النفي المتكررة (( لا , ولا )) لتصوير العدمية والخواء الذي يعانيه من كل مقومات الحياة , والمبالغة حيث أضفى المتنبي في البيت الثاني صفة العقل على الزمان وأظهره كأنه كائن يختار , ليبرز حجم طموحه الذي يسبق عصره وتاريخه .يقول الشراح ان هذا البيت هو الأكثر وجعا في شعر المتنبي , اما أبو الفتح ابن جني فقد ذهب إلى ان المتنبي جرى في هذا البيت على عادته في المبالغة, وجعل الزمان كأنه عاقل يريد لنفسه الخير , ويجوز أن يكون الشاعر ذهب إلى أن الزمان كالذي يعقل , فيختار أن يكون كلها ربيعاً , لأنه زمان طيب يظهر فيه من الزهر والرياض ما لا يظهر في غيره من الأزمنة.ولعل ارتباطنا بالمتنبي كلما (( زارتنا الكوليرا )) يعود إلى أن أبا الطيب لم يكن يشتكي غربة الجغرافيا فحسب , بل كان يئن من (( غربة الروح )) وهي الغربة الأشد فتكاً , فالغربة الحقيقية ليست في أن تفقد وطناً خريطته على الأرض , بل أن تفقد (( السكن )) والأمان النفسي داخل هذا الوطن , لتصبح (( اللا )) المتكررة في بيته الأول سياجاً يحيط بأيامنا الحاضرة , وعندما نأتي إلى بيته الإعجازي (( أُرِيدُ مِنْ زَمَنِي ذَا أَنْ يُبَلِّغَنِي مَا لَيْسَ يَبْلُغُهُ مِنْ نَفْسِهِ الزَّمَنُ )) , نجد أنه لم يقنع بالبكاء على الأطلال , بل تمرد على العجز , إنه يطالب الزمان بما يعجز الزمان نفسه عن تحقيقه , وهنا يلتقي الإنسان العربي المعاصر بالمتنبي , ففي تصارعنا مع أوبئة العصر وخيباته , لا نطلب مجرد البقاء , بل نطلب المستحيل , نطلب كرامةً , ومجداً , وعدالةً يبدو أن (( الزمن الكوليراوي )) الحالي عاجز عن إدراكها أو منحها لنا.وإذا ما أسقطنا وجع المتنبي على واقعنا المعاصر, وتحديداً في تلك اللحظة الفارقة التي تلت الاحتلال , سنجد أن الأبيات لم تعد مجرد شعر يُلقى , بل صارت (( بيان حال )) لكل من وقف على أطلال مدنه المسبية , لقد أعاد الاحتلال صياغة مفهوم (( الغربة )) ليكون اغتراباً داخل الدار , فصار المرء يسير في شوارع بلاده وهو يسأل بمرارة المتنبي (( بم التعلل؟)) , بأي شيء نتعلل اليوم؟ والجدران الكونكريتية فصلت الأهل عن الأهل , والفتن المتلاحقة نالت من (( النديم )) و(( السكن )) , لقد تحول (( الوطن )) في بيتي أبي الطيب من ملاذٍ آمن إلى فكرة هلامية نبحث عنها في ذاكرة الصور القديمة , والاحتلال لم يكتفِ بهدم البنيان , بل حاول هدم (( الزمان )) نفسه , جاعلاً منا أمةً تعيش خارج التاريخ , نكابد (( كوليرا )) الفوضى والفساد وضياع الهوية.وحين يصرخ المتنبي : (( أُرِيدُ مِنْ زَمَنِي ذَا أَنْ يُبَلِّغَنِي مَا لَيْسَ يَبْلُغُهُ مِنْ نَفْسِهِ الزَّمَنُ )) , تجدنا نردد خلفه بذات الطموح الجريح , فنحن نطالب هذا الزمن العراقي المثقل بالحروب والاحتلالات , أن يمنحنا لحظة استقرار , ونظرة فخر , واستعادة لسيادة الروح , وهي أشياء يبدو أن الزمان (( الراهن )) عاجز عن إدراكها أو تحقيقها , لكننا – كالمتنبي – نرفض التسليم بهذا العجز , لقد أصبح البيت الثاني عنوانا ل (( المقاومة بالبقاء )) , ففي كل يوم يشرق فيه العراقي على حطامه ليصنع منه حياة , هو في الحقيقة يمارس ذات مبالغة المتنبي , ويجبر زمنه القاسي على أن يبلغه مستحيلاً لا يملكه الزمن نفسه , لقد ظل المتنبي (( غريباً )) حتى في موته , وظللنا نحن (( غرباء )) حتى في أوطاننا , وبين غربته وغربتنا خيط من الوجع يمتد لألف عام , لكنه يثبت أن الكلمة هي الوطن الوحيد الذي لا يمكن احتلاله.خلاصة القول , إننا إذ نتكئ على حائط المتنبي , لا نفعل ذلك هرباً , بل لأننا نجد في وجعه القديم مرآة لوجعنا المتجدد , لقد مات المتنبي ومات حساده , وماتت أجسادٌ كثيرة جرفتها الأوبئة , وبقي الصدى يسألنا مع كل فجر جديد: (( بم التعلل؟ )) فلا نجد إجابة سوى المضي قُدماً في إجبار هذا الزمان على أن يبلغ بنا ما لا يبلغه هو من نفسه .
مقامة غربة : اللوعة حين صار الوطن (( تعللاً ))
آخر تحديث:
صباح الزهيري







































