فائض القوة والثروة

فائض القوة والثروة
آخر تحديث:

بقلم: أحمد صبري

على عكس ما يجري ويحدث في البُلدان التي تسعى لتكريس ثروتها للبناء وسعادة شَعبها، يبتكر العراق صيغة جديدة بتعاطيه مع سرَّاق المال عَبْرَ طريقة (سدِّد ما سرقته على دفعات وتفادَ سيف القضاء). وما كُشف أخيرًا عن سرقة القرن البالغة نَحْوَ ثلاثة مليارات دولار سرقها عراقي من أمانات خزينة الدولة بطُرق غير شرعيَّة وبطل هذه الفضيحة الذي أطلق سراحه بعد تعهُّده بدفع المبلغ المذكور على دفعات مريحة وبتسوية أخرجته من وراء القضبان متعهدًا بإعادة بقيَّة الأموال المنهوبة للخزينة وغادر خارج العراق.

وسرقة القرن هدَّد بطلها بكشف المستور في هذه الفضيحة ومَن يقف وراءه وحمايته من الإفلات من العقاب، في تطوُّر يشجِّع من أمثاله على التجاوز على أموال العراقيين التي باتت عرضة للتطاول عليها من قِبل لصوص محترفين حوَّلوا هذه الثروة إلى نقمة من فرط عمليَّات التجاوز على محرَّماتها.

ولم يشهد بلد هُدرت أمواله وضاعت مِثل العراق، فالأموال المهدورة والمنهوبة منذ احتلال العراق ولغاية سرقة العصر تقدَّر بأكثر 950 مليار دولار من دُونِ أن يلمسَ العراقيون تغيُّرا في حياتهم، ولم يسعدوا بتلك الأموال المتأتية من عوائد النفط.

فتلك الأموال التي نتحدث عنها هي إمَّا سُرقت أو ذهبت إلى جيوب اللصوص بفعل الفساد والرشى على مشاريع وهميَّة أو بفعل صفقات مشبوهة لقوى نافذة وجدت في حال عدم الاستقرار والفوضى التي عمَّت العراق بعد احتلاله مناسبة للسَّطو على ثروات العراقيين من دُونِ أن يتمكنَ الحريصون على هذه الأموال من حمايتها ووقْف هدرها على مدى السنوات الماضية. واستنادًا إلى ما تقدَّم فإنَّ مَن فتَح الأبواب مشرعة للصوص ومُبدِّدي المال العام هو حاكم العراق السابق بول بريمر الذي تغاضى عن حماية ثروة العراقيين وهدرها، ما شجَّع اللصوص الذين كانوا يتحيَّنون الفرص للانقضاض على تلك الأموال، فيما وفَّر نظام المحاصصة الطائفيَّة حماية لسرَّاق المال العام. فالسبعة مليارات دولار التي أضاعها بريمر ما زالت مجهولة وغير معروفة أوْجُه صرفها واليد التي امتدَّت إليها؟ وأين ذهبت؟ ناهيك عن مليارات الدولارات التي صرفت على الأمن والإعمار والبناء التي لم تجلب للعراقيين لا الأمن ولا الرخاء وأيضًا السعادة؟

فميزانيَّة العراق الحاليَّة المختلف عليها في البرلمان وتقدَّر بنَحْوِ 120 مليار دولار تعاني من عجز مالي قد يدفع الحكومة إلى إجراءات تقشفيَّة لتفادي العجز والانهيار، وربَّما الاقتراض من البنك الدولي وقروض أخرى من بنوك محليَّة وأجنبيَّة.وقدَّرت مؤسَّسات ماليَّة رصينة مهمَّة حاجة العراق للنهوض بواقعه في شتَّى الميادين ومعالجة تركة الاحتلال وعمليَّات الفساد بنَحْوِ 800 مليار دولار لتحقيق الاستقرار الاقتصادي المنشود، ناهيك عن أنَّ ضعف هذه الأموال لم تستطع أن تذهب إلى مكانها وبشكلٍ يُلبِّي حاجة العراق إلى الكهرباء والماء الصالح للشرب ومعالجة البطالة والتضخُّم.

التحدِّيات التى تواجه العراق بفعل هدر أمواله بحاجة إلى مقاربات معقولة واضحة، فمن من دُونِ رقابة صارمة وأيادٍ نظيفة مخلصة تحمي أموال العراق فإنَّها ستكون كسابقتها أهدرت وضاعت وذهبت إلى غير مقاصدها، وبالتالي حرمان العراق من الاستفادة من أمواله. ونختم بالقول: إنَّ فائض القوَّة وتنامي الثروة في العراق لم يحققا الرخاء الاقتصادي ولا يسعد العراقيين بثروتهم؛ لأن هذه المعادلة أو الثنائيَّة ستبقى رهينة التحكم بثروة العراقيين وبمفاعيل المحاصصة الطائفيَّة والعرقيَّة التي تهيمن على الواقع السياسي في العراق.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *