ما هي القراءة؟

ما هي القراءة؟
آخر تحديث:

 محمد صابر عبيد

القراءة قراءات، والقراءات متعددة ومتنوعة وظاهرة ومستترة، والبحث في جوهر القراءة أنتج نظريات القراءة والتلقي المعروفة، وهي نظريات منهجيّة حديثة تبحث في مفهوم القراءة والقارئ وأنواعهما وحالاتهما على نطاق نظري عميق وواسع، ولا سبيل إلى إدراك قيمة النصّ من دون معرفة فضاء القراءة، والنصّ بلا قراءة ليس سوى أسد ميت كما يقولون، النصّ يكتب كي يقرأ، والقراءة معرفة واطلاع وكشف ومتعة واستكشاف، ولولا القراءة لما وجد النصّ أصلا لأنها الماء الذي يحيا فيه النص ويكتسب وجوده الطبيعيّ القادر على التأثير. ربّما تكون الفكرة الأولى عن القراءة بوصفها متعة بالدرجة الأساس هي صحيحة في سياق اللقاء الأوّل المباشر بالنصّ، وينبغي أن تبقى صورة المتعة حاضرة فيما يأتي من قراءات أخرى لاحقة، وذلك لأنّها إحدى المحرّكات الرئيسة لضخّ القراءة بطاقة الرّغبة في المواصلة والتفاعل والاستدراج والتمثّل والحثّ والتحليل والتأويل وجرأة الممارسة. غير أنّ هذه المتعة ستتطوّر بين قراءة وأخرى، وتتحوّل من متعة مجردة وعابرة لتزجيةِ الوقتِ إلى متعة مُنتِجة تتدخّل في صلب جوهر القراءة نحو الحصول على مفاتيحها، لا بدّ من حضور المتعة وفعالية الاستمتاع في كلّ درجات القراءة ابتداءً من القراءة الأولى إلى القراءة الأخيرة، من أجل أن تبقى حرارة القراءة فاعلة وقادرة على الإنتاج في أعلى درجات الرّغبة، فالقراءة غوص في طبقات المقروء وزواياه وعتباته وظلاله.

 كلّ شيء في النصّ المقروء يجب أن تحرثه رغبة القراءة ومتعتها وبحثها عن خفاياه، القراءة استنطاق لخارج المقروء النصيّ وداخله وتخومه وشواطئه وزمنه ومكانه ورؤيته وطبقاته وظلاله، يجب أن لا تغفل القراءة شيئاً من النصّ مهما بدا للوهلة الأولى وكأنّه لا أهمّية له، العتبات النصيّة مهما كانت لا بدّ من خضوعها للقراءة، لتكون القراءة عامّة وشاملة وكاملة ابتداءً من القراءة الأولى مروراً بكلّ القراءات اللاحقة وصولاً إلى القراءة الأخيرة، حين يشعر القارئ بأنّه وصل إلى درجة الإشباع الثريّ المُغني، وامتلأ بالنصّ امتلاءً كاملاً، بما يجعله قادراً على تصوير رؤيته القرائيّة وتمثيلها كتابيّاً بأسلوب يجمع بين المعرفة والإشراق، بين التحليل والتعبير الأدبيّ الراقي، بين التأويل والحسّاسيّة الّلغويّة العابرة للعادي والمألوف التشكيليّ، ليتحوّل المقروء إلى نصّ جديد يستوحي فضاء النصّ المُعالَجَ ويخرجُ به إلى فضاء أكثر سعة ودلالة وقيمة وحياة وديمومة.

القراءة تشغيل لطاقات الجسد كلّها، هي بحث وتنقيب واختراق وتقصٍّ وقصّ أَثَرٍ وافتتاح طبقات وامتحان قدرات وكفاءات وتحشيد قِوى وإمكانات لا حدود لها، الفعل الاختراقيّ لآليّات القراءة وأدواتها لا يتوقّف عند حدّ بما ينطوي عليه من طاقة على التصدّي والرصد والخوض الواثق في مياه النصّ العميقة، إنّها مَهمّة يجمع القارئ فيها ما يملك من قوّة معرفيّة وشخصيّة ذاتيّة وجرأة وشجاعة وذكاء وحسّاسيّة ومرونة ومرجعيّة وثقافة وعلم ورؤية ومنهج ومصطلح ومفهوم ورغبة وحبّ وانفعال وعاطفة وتمثيل وجدانيّ، حتى يتمكّن من ولوج هذا الحقل المُشبع بالتنوّع والتعدّد والغموض والسحر والغواية والتحريض والإغراء والتحدّي.

لا بدّ من الشكّ الدائم بنيّاتِ النصِّ وتقلّباتهِ بين يدي القراءة بوصفه كائناً حيّاً له ضروراته وحالاته وقضاياه، ولا بدّ أيضاً منعدم الاطمئنان لكرمه السريع حين يجد القارئ أنّ طبقاته مكشوفة سرعان ما يصل إليها في البنية السطحيّة، فالنصّ قد يوهمك أنه يمنح نفسه لك بسهولة لكنّه يخفي جواهره في طبقة ما من طبقاته، فالاكتفاء بقراءة سريعة أولى أو ثانية ذات طبيعة سطحيّة يوقع القارئ في شراك الوهم فيخسر قراءته النموذجيّة المطلوبة، أو قد يكون النصّ بسيطاً وضعيفاً بحيث لا يحتمل أكثر من ذلك، وهذا التباس قرائيّ مهم على القارئ التنبّه إليه كي لا يكون ضحيّة قراءته أو ضحيّة النصّ. عنصر الشكّ في بلوغ مرحلة القراءة الأخيرة يجب أن يستمرّ من بداية القراءة حتى نهايتها ولا يتوقّف هذا الشكّ (بمعناه التحريضيّ المُشغِّل للأدوات) أبداً، لأنّه الوسيلة المُثلى لبلوغ مرتبة القراءة الاستثنائيّة العميقة والواسعة والشاملة والكليّة القادرة في النهاية على استباحة حرمات النصّ، وهو ما يجعل من إمكانيّة حصول الطمأنينة مسألة في غاية السلبيّة تؤثر كثيراً على علاقة القراءة بالنصّ، إذا ما حصلت سريعاً مع البداية الأولى لحصول العلاقة بين الفاعل القرائيّ والمفعول النصيّ، حتى يمكن لهذه العلاقة حين تتطوّر أن يتبادل الفاعل والمفعول دورهما في التأثّر والتأثير، وتصل بذلك إلى مبتغاها الأصيل والعميق. ولا سيّما حين تبلغ العلاقة مرحلة من التفاعل الحميم الذي يُنتج نصاً لا يتوقّف عند حدود الاستجابة للفاعل القرائيّ، بل ينتقل إلى موقع الحجاج عندما يدخل في حوار استنطاقيّ مع الفاعل القرائيّ، في دائرة تحريضٍ وكرٍّ وفرٍّ وكشفٍ وحَجْبٍ وأخذٍ وردٍّ، على نحو تتحوّل القراءة فيه إلى مداورة فكريّة وثقافيّة مستمرّة بين مركزين متجاذبين هما القارئ والنصّ. يمكن القول من هذا المنطلق إنّ مفهوم القراءة لا يستقرّ على حال واحدة حاسمة، بل هو مفهوم دائم التغيّر والتحوّل بحسب المرجعيّة الثقافيّة والمعرفيّة والمزاجيّة للفاعل القرائيّ، لأنّه مفهوم منتِج لا يصلح لتقنين نظريّ نهائيّ يضعه تحت طائلة مجموعة من الشروط والتحديدات والترسيمات، لذا يظلّ مفهوماً قادراً على استيعاب كلّ ما هو جديد وطريف ومبتكَر يشع القراءة في أفضل حالاتها وأرقى صورها.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *