افيون المثقف العربي ببغداد بقلم هيفاء زنكنة

افيون المثقف العربي ببغداد بقلم هيفاء زنكنة
آخر تحديث:

 كتب ألي احد الادباء العرب ممن حضروا فعاليات ‘ بغداد عاصمة الثقافة العربيةعن صدمته لحضور المهرجان، قائلا: ‘هل حدث ودعيت مرة الى أمسية أدبية او عرضا مسرحيا وقررت الحضور، لاسباب قد يكون من بينها حصولك على التذكرة مجانا او انك تعرفين صاحب الدعوة وتحاولين ارضاءه او تعرفين احد المشاركين بالفعالية كصديق او قريب ولا تريدين ان تخسريه؟ لقد قبلت الدعوة، بعد الحاح، لأنني تلقيتها من صديق اقنعني بان قبولي الدعوة هو دعم للمثقفين العراقيين. وحضرت. فما الذي رأيته؟ كنا نتحرك وكأننا في منطقة نائية عن الناس، محصنة ضدهم . هل راينا بغداد وأهلها؟ 

وحضرنا بعض فعالياتها واصغينا الى خطب مسؤوليها. فهل هذا هو حال الثقافة فيها؟ ولأوضح. لأعطيك مثالا فعاليات الاختتام، يوم 25 مارس/ آذار. حالما بدأت الفعاليات بجلوس طفل، يرتدي الدشداشة والعقال، وضعت امامه، في مقدمة خشبة المسرح، فناجين القهوة، وما تلاها من دخول عدد من البنات والاولاد، يرتدون الملابس التقليدية المقسمة حسب نظام المحاصصة الحكومى، صارخين، قافزين، حاملين للعلم، وهم يدبكون باداء يليق بروضة للاطفال ( ولأنهم اطفالا) ولفترة خلتها دهرا، حتى ادركت حجم الورطة التي ورطت فيها نفسي، وباختياري. كان علي، اما ان أغادر المكان بسرعة لئلا يفضحني خجلي من العرض او من نفسي لحضوري في مكان تهان فيه الثقافة او ان ابقى في مكاني مطأطأ الرأس لا أرى ولا اسمع ولا انطق.

وهذا ما اخترته. حاولت، بين وبين نفسي، ان أجد الاعذار للمنظمين، لضحالة ما تم تقديمه ومستواه الغث. ولكنني فشلت. فاموال العراق كثيرة والقدرات البشرية العراقية مشهود لها تاريخيا. فلم كانت ايام الثقافة مثل بركة ضحلة؟ هل هذا هو افضل ما هو موجود لدى المنظمين؟ ما هو فهمهم للثقافة؟ هل هذا هو ما يمثل، حقا، ‘ الثقافة العراقية ‘ وبالتالي ‘ الثقافة العربية’ التي تم اختيار بغداد عاصمة لها، وهي التي تستحق، برأيي، ما هو اكثر من ذلك؟‘. 

كنت على وشك ان اقول للاديب العربي: ألم اقل لك؟ غير انني تمالكت نفسي، محاولة فهم موقف كل من حضر ايام الثقافة العربية ببغداد من ادباء وفنانين وعموم المثقفين ( يقال بان عددهم وصل 300 ). فبالاضافة الى الاسئلة التقليدية حول دور المثقف المجتمعي والفكري والانساني خاصة اثناء مرور الامة في ازمة او نزاع او حرب او احتلال، هناك تساؤلات، عامة، يطرحها كل مثقف على نفسه قبل ان ينغمر في خضم نشاط ما، حول طبيعة النشاط واهميته ومن الذي يدعمه. والمثقف في البلاد العربية، منذ فترات الاستعمار وحروب التحرير وحتى اليوم في مرحلة ما بعد الكولونيالية، بحاجة الى النظر في كل هذه التساؤلات قبل الشروع بعمل ما، التي يجدها البعض مقيدة لحريته وابداعه فضلا عن رغبة السلطات الحاكمة بالهيمنة على الثقافة وتسيير المثقف وفقا لايديولوجيتها خشية استقلاليته وخروجه عن قوالبها المتحجرة. في ظروف كهذه، ما الذي يجعل بعض المثقفين يمتلكون الجرأة والشجاعة على اتخاذ موقف صريح لا لبس فيه بجانب شعوبهم بينما يلوك آخرون عبارات غامضة لا يمكن تمييز الغث فيها من السمين؟ اعتقد ان امتلاك المثقف للبوصلة الاخلاقية فضلا عن الوعي النقدي هما اساس الفهم الحقيقي لدوره، خاصة في اوقات الأزمات وسيادة الطغيان وظلام العقول

أفترض، من باب حسن النية وتجنب اطلاق حكم مسبق، ان مثقفي ‘ عاصمة الثقافة العربية’، بفنانيهم وادبائهم، من عرب وعراقيين، قد خامرتهم بعض التساؤلات المذكورة اعلاه، ان لم يكن كلها . ولا بد ان عددا منهم قد قرأ مانشره الشاعر العراقي المعروف سعدي يوسف مخاطبا المدعوين الى المهرجان ‘ ارقصوا في دم العراقيين المراق’، واصفا يوم حضورهم بانه : ‘ هو يوم سقوط بغداد تحت سُرُفاتِ دبّاباتٍ أميركية تقطع الجسر المهيب على دجلة/ هو يوم جزمة الجنديّ الأميركيّ على رقبة العراقيّ/

هو يوم قُتِلَ مليون عراقيّ/ هو يوم الهيروشيمات الثلاثة العراقية’. متسائلا: ‘ ماذا ستقولون لأنفسكم أيها المثقفون العرب المدعوّون؟‘. 

يبدو انهم قالوا لأنفسهم، كما قال لي الاديب العربي، بحضورنا ‘ سندعم المثقفين العراقيين’. أو ‘ بحضورنا يمكننا أن ندعم ثقافة التعددية والاعتدال والتنوير في البلاد’، كما نشر أحد الكتاب داعيا الى عدم مقاطعة المهرجان. لن أكرر هنا اسباب مقاطعة الكثير من المواطنين العراقيين، ولن اقول المثقفين فقط، لما اراده نظام حزب الدعوة تبييضا لوجهه الظلامي وشرعنة لفتحه بوابات بغداد للغزاة، فقد لخص سعدي يوسف بابياته الاربعة حجم الجريمة الهمجية التي تعاون النظام الحاكم، صاحب المهرجان، على الحاقها بالعراقيين ولايزال يستمرئ بطائفيته وفساده الحاقها. ولكنني اريد طرح بعض الاسئلة البسيطة على اولئك الـ300 مثقف من الحاضرين. بربكم، كيف دعمتم المثقفين العراقيين بحضوركم؟ هل قاطع احدكم نوري المالكي، رئيس الوزراء وأمين عام حزب الدعوة ووزير الداخلية وووو…، حين كذب قائلا : ‘ وانتعشت حركة الثقافة، بعد أن تخلصت من النظام الديكتاتورى السابق، حيث لا يوجد لدينا سجين بسبب رأى ونعمل على جعل وزارة الثقافة وزارة سيادية’. عن اية ثقافة منتعشة يتحدث و60 بالمئة من مثقفي العراق هربوا الى المنفى منذ عام 2003، باعتراف وكيل الوزارة الاقدم سابقا؟ أية ثقافة ووزير الثقافة هو وزير الدفاع، الوزارة التي باتت رائحة فسادها تزكم الانوف لكثرة عقودها الوهمية وعمولات قومسياراتها؟ هل تحداه احد المثقفين ‘ التنويريين’ قائلا بان عدم وجود سجين رأي سببه الاغتيال المنهجي والتهجير القسري وليس حرية الرأي! وهل تساءل احد المثقفين عن مصير الاكاديميين والصحافيين وحملات اغتيالهم بكواتم الصوت؟ ام ان صوت المثقف العربي، هو الآخر، قد كتم ولكن بغير كاتم الصوت؟

هل قدم احد الموسيقيين معزوفة اهداها الى المدن التي قاومت الاحتلال او، على الاقل، الى الطفلة عبير التي اغتصبها عسكر الغزاة ثم حرقوها وافراد عائلتها وصمت ساسة النظام الحالي يصم الآذان؟ هل أقاموا معارض لأعمال الفنانين التشكيليين التي تصرخ بوجه جرائم ابو غريب، أو مجازر حديثة والإسحاقي، أو معتقل الجادرية، أو إغتصاب المعتقلات؟ هل إستمع الحضور الى أغاني المقاومة التي قصمت ظهر الإمبراطورية، أو لاهزوجاتها، او للشعراء المقاومين أو المدافعين عن أهاليهم؟ هل زار الضيوف بعض المحافظات ليروا الثقافة العراقية على الأرض بعد عشر سنوات من تدمير البلاد؟

ما الذي حل بالمثقف ‘ ضمير الأمة ووعيها’؟ كيف يسكت والعراق يتفتت وابناؤه يعتقلون وساسته يكذبون ليلا ونهارا على شاشات التلفزيون ؟ وكيف يتم دعم المثقف العراقي اذا كان صاحب الدعوة هو جلاده ؟ وكيف يتم دعم الثقافة اذا كان صاحب الدعوة قد ساهم في تخريبها او وقف متفرجا وهو يرى المحتل وهو يحول مواقعنا الأثرية الى قواعد عسكرية؟ لم يصمت الشعراء والكتاب وآثار الغزو وحكوماته تنخر قلب العراق؟ وهل يكفي ‘ المثقف العراقي’، ابن النضال اليساري، ان يتحدث عن فساد الآخرين والاحزاب الاخرى بينما يتستر على فساد حزبه وكونه قد تحول الى منظمة مجتمع مدني، مدفوعة التمويل من قبل ذات ‘ الآخرين’ الفاسدين، ويعتاش على اسطوانة نضاله في ظل النظام السابق ومتعاميا عن موقفه الذرائعي مع الاحتلال؟ ايكفي الوقوف على المنصات او اقامة الندوات للحديث عن حضارة العراق وتاريخه اللذين تم تحويلهما الى افيون لتخدير الشعب؟

وعن ثقافة نظام حزب الدعوة وحواريه. هل يكفي تقديم شباب واطفال يتبخترون على خشبة المسرح بازياء فولكلورية اكل عليها الدهر وشرب لخداع الناس بأكذوبةالثقافة التنويرية المعتدلة’ حسب تصريحات ساسة ‘العراق الجديد’ بينما تشير اخر احصاءات منظمة الامم المتحدة لرعاية الطفولة ‘يونسيف’ الى وجود 15 مليون طفل عراقي بحاجة الى تطوير في الرعاية التعليمية والصحية والنفسية؟ الا يعرف ‘ المثقف التنويري المعتدل’ الى اي مسار سيتجه هؤلاء الاطفال مستقبلا؟ 

ومصيبة بعض المثقفين العراقيين والعرب، عموما، انهم يساهمون بتفتيت القضايا الانسانية. فنراهم ينددون، مثلا، بسوء معاملة الاسرى الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية الا انهم لايجدون مانعا في حضور مؤتمر يقيمه نظام حزب الدعوة بالعراق الذي لايقل وحشية عن نظيره الاسرائيلي في اعتقال وتعذيب المواطنين الفلسطينيين والعراقيين، على حد سواء. ما يتعامى عنه بعض المثقفين هو ان المثقف الحقيقي، مهما كانت جنسيته او هويته، لايمكن ان يكون تكنوقراطا. انه لا يمكن ان يكون محايدا تجاه قضايا مجتمعه وشعبه. والاهم من ذلك كله، انه لا يمكن ان يكون محايدا تجاه القضايا الانسانية، التي هي انسانيته، اينما كانت

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *