“خبير خلال فاصل إعلاني”.. كيف صنعت الفضائيات نجوم التحليل السريع؟

“خبير خلال فاصل إعلاني”.. كيف صنعت الفضائيات نجوم التحليل السريع؟
آخر تحديث:

في عراق ما بعد 2003، لم تعد الفضائيات مجرد نوافذ للأخبار، بل تحولت عند البعض إلى مصانع لإنتاج “الخبراء” بسرعة قياسية؛ يكفي أن تمتلك بدلة أنيقة، وعبارة محفوظة، وموعداً ثابتاً على الشاشة، حتى تحصل على لقب “محلل استراتيجي” بلا امتحان ولا شهادة حضور.

هنا ولدت ظاهرة المحلل الذي يعرف كل شيء… من الاقتصاد إلى الأمن، ومن الدستور إلى العلاقات الدولية، وربما لو سُئل عن الطقس في كوكب آخر لأجاب بثقة عالية وبنبرة الخبير.

في سوق الضجيج الإعلامي، يصبح المايكروفون أحياناً أقوى من الشهادة، وتتحول كثرة الظهور إلى ما يشبه “درجة أكاديمية” تمنحها الفضائيات لمن يجيد رفع الصوت أكثر من رفع مستوى النقاش.

ومن بين الأسماء التي دخلت دائرة الجدل الإعلامي يبرز أمير الدعمي، الذي تحول ظهوره التلفزيوني إلى مادة للنقاش بين من يعتبره صوتاً نقدياً حاداً، ومن يراه نموذجاً لخطاب إعلامي يعتمد على الانتقائية في اختيار المعارك.

ففي عالم التحليل التلفزيوني، هناك من يحمل الملفات على الشاشة، وهناك من يحمل الشاشة على الملفات؛ يختار القضية التي تضمن أعلى نسبة مشاهدة، ويترك القضايا التي لا تصنع ضجيجاً كافياً في أدراج النسيان.

المشكلة ليست في أن يكون للمحلل رأي، فالرأي حق مشروع، بل في أن يتحول الرأي إلى “مهنة موسمية”: يغضب هنا، يصمت هناك، يفتح ملفاً، ويغلق آخر، وكأن الريموت كنترول أصبح بوصلة التحليل السياسي.

أما المواطن العراقي المسكين، فيجد نفسه أحياناً أمام معادلة عجيبة: مسؤول ينجو من السؤال، ومواطن يُطلب منه تفسير كل أزمات البلاد. وكأن المشكلة ليست في من يدير الدولة، بل في من ينتظر دوره أمام دائرة حكومية.

الإعلام الحقيقي لا يحتاج إلى صراخ، ولا إلى صناعة أبطال على الهواء. يحتاج إلى وثيقة، ومعلومة، وسؤال صعب لا يخاف من طرحه أحد.

ففي النهاية، الفضائيات لا تصنع الخبراء… لكنها أحياناً تصنع مشاهير يرتدون بدلة الخبير، ويجلسون أمام الكاميرا بثقة من يملك الإجابة عن كل شيء، حتى الأسئلة التي لم تُطرح بعد.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *