يبدو أن الحديث عن العدالة الاجتماعية في العراق يظل شعارا مفرغا من محتواه ما لم يقترن بهيكلة جذرية لنظام التوزيع المالي، وتقييم الجهد البشري (المنتج) ضمن قطاع الموارد البشرية في الدولة. لذلك، يمكن القول: إن المنظومة الحالية للرواتب تعاني من تشوهات عميقة، فهي تبتعد عن جوهر التكافل الاجتماعي وتغفل الدور المحوري للأسرة، وتتبنى معايير مادية بحتة تتجاهل الأعباء الحقيقية للمواطن. لتحقيق إصلاح حقيقي، لا بد من مواجهة هذه الاختلالات بحزم عبر مسارات محددة لا تقبل الترقيع. وهي عدد من المقترحات اهمها التالية:. أولا: إعادة الاعتبار للمخصصات الأسرية: يمثل التجاهل المالي لحجم الأسرة خللا جسيما في بنية الرواتب. إن المبالغ المضافة حاليا تحت مسمى “مخصصات الزوجية والأطفال” هي أرقام محبطة لا تتناسب مع أبسط مقومات المعيشة. كيف؟ يمكن القول: إن من غير المنطقي، بل من الإجحاف، أن يتساوى الموظف الفرد (بلا إسرة) في دخله التقريبي مع موظف يعيل أسرة مكونة من عشرة أطفال، حيث لا يتجاوز الفارق سوى مئة ألف دينار مثلا. هذه الهيكلية تتنكر للأعباء الاقتصادية التربوية، وتتطلب تعديلا قانونيا يضاعف هذه المخصصات تصاعديا بما يتناسب مع حجم الأسرة، ليكون الراتب أداة لدعم الاستقرار الاجتماعي. ثانيا: الاستحقاق المالي لربة البيت: يجب الخروج من النظرة المادية الضيقة التي تقيس الإنتاجية بساعات الدوام المكتبي فقط. العمل الذي تؤديه المرأة المتزوجة غير الموظفة (ربة البيت) يمثل الركيزة الأساسية في بناء الأجيال وتماسك المجتمع. كيف؟ هذا الجهد الجبار هو عمل إنتاجي بامتياز، ويجب أن يترجم إلى استحقاق مالي سيادي. إن تخصيص راتب مستقل لربة البيت، يعني تتمتع ربة البيت (الزواج المستقبلي على اقل تقدير) براتب وماستر وحقوق الموظف كافة، وتحصل على عنوان وظيفي (إعتباري أو إفتراضي) مع إحتساب الشهادة كما هو معمول في التعيينات. فضلا عن تسهيلات الانتقال -لمن تطلب التحول- من “موظفة” الى “ربة بيت”. وهذا يمثل ضرورة ملحة لمواجهة التوجهات الاستهلاكية والمادية، ويعيد الاعتبار للقيمة العظمى للجهد الأسري غير المرئي. مع ملاحظة إن هذا الاصلاح ينتج عدالة ضرورية، ويمكن المرأة من أداء دورها الحقيقي في بناء المجتمع. بدلا من حشرها في وظيفة لا تقدم للعراق أية فائدة -كما هو الحال غالبا- حاليا. مع الإلتفات الى أن هذا هو أحد الحلول العملية -لأزمة التعيين- في واقعنا. ثالثا: التقليم الحازم لامتيازات الدرجات الخاصة. لا يمكن بناء عدالة اجتماعية في ظل استنزاف الموازنة العامة لصالح طبقة إدارية عليا. الدرجات الخاصة تتمتع برواتب فلكية وامتيازات تلغي حاجتها للإنفاق الفعلي. هؤلاء المسؤولون تسدد الدولة فواتير سكنهم، وقودهم، استهلاكهم للكهرباء، وحتى مصاريفهم النثرية اليومية، فهم يستهلكون دون أن يمسوا رواتبهم الأساسية. وفيه تفصيل. أن أغلب المسؤولين يتلقون أضعاف رواتبهم بشكل قانوني، فضلا عن تكفل الدولة بمستلزمات المعيشة كافة، وهذا ليس في السفارات والملحقيات فقط،بل في المنطقة الحمراء التي يسكنها أغلب السراق والعملاء وأعداء الشعب والوطن، قبحهم الله. إن العدالة تقتضي تقليصا حازما وصارما لهذه الرواتب، وإلغاء كافة الامتيازات الخفية المرافقة لها. يجب أن يتحمل المسؤول نفقاته المعيشية كأي مواطن، لضمان المساواة الحقيقية. رابعا: إعادة توجيه الموارد: إن الوفورات المالية الكبيرة التي ستتحقق من إنهاء الهدر في امتيازات الدرجات الخاصة، يجب أن توجه فورا لدعم القاعدة المجتمعية. هذا الانتقال من تمويل الرفاهية الوظيفية للفئات العليا إلى تمويل البنية الأسرية هو التطبيق الفعلي للعدالة. خاتمة: إن اصلاح واقع العدالة الإجتماعية في العراق يحتاج إلى قرارات شجاعة تعيد صياغة الواقع الاجتماعي، وتجعل من مؤسسات الدولة راعية حقيقية للمجتمع العراقي بكل طبقاته، بعيدا عن المحاباة الطبقية والحزبية. وحتى تحقيق العدالة الإجتماعية تبقى السلطة الحالية -بعناوينها كافة- ظالمة وغير كفوءة وسارقة لقوت الاسرة العراقية، إذا لم تسارع الى الإصلاح ومساندة الاخ الرئيس الزيدي في صولته ضد الفساد. وللحديث بقية.
إصلاح العدالة الإجتماعية: مراعاة الأسرة العراقية…
آخر تحديث:
ناظم العبادي







































