بين العراق والكويت: حين يصبح سوء الإدارة السياسية عبئًا على شعبين

بين العراق والكويت: حين يصبح سوء الإدارة السياسية عبئًا على شعبين
آخر تحديث:
رياض محمد سعيد
ليست الجغرافيا خيارًا، ولا يستطيع التاريخ أن يُمحى بإرادة السياسيين أو بانفعالات الجماهير. فالعراق والكويت دولتان فرض عليهما الموقع أن تكونا جارتين، وفرض عليهما التاريخ والدين وروابط العروبة أن يبحثا دائمًا عن مساحات للتفاهم أكثر من مساحات الخلاف. ومن هنا، فإن الحكمة السياسية لا تُقاس بقدرة الدولة على تصعيد الأزمات، بل بقدرتها على إدارتها بما يحفظ المصالح ويمنع توريث الأحقاد للأجيال. لقد عانت العلاقات العراقية الكويتية لعقود من تراكمات ثقيلة، ولم يكن السبب في ذلك خطأ طرف واحد، بل سلسلة من القرارات والمواقف التي افتقدت في كثير من الأحيان إلى الرؤية البعيدة والحكمة السياسية. وكان المواطن العادي في البلدين هو الخاسر الأكبر، بينما بقيت آثار الخلافات حاضرة في الوعي الشعبي والخطاب العام. ومن الجانب العراقي، يبرز قصور واضح في إدارة هذا الملف في مراحل متعددة. فقد طغت أحيانًا لغة الانفعال على لغة الدولة، وغلب الخطاب العاطفي على الحسابات الإستراتيجية، وغابت القراءة الدقيقة لموازين القوى والقانون الدولي ومتطلبات حسن الجوار. كما أسهم الجهل ببعض التعقيدات السياسية، أو تجاهلها، في إنتاج مواقف لم تخدم المصالح العراقية، بل زادت من تعقيد الملفات العالقة، وأهدرت فرصًا كان يمكن أن تؤسس لعلاقة أكثر استقرارًا. وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن الكويت ارتكبت بدورها أخطاء سياسية أسهمت في تعميق فجوة الثقة. فبدل أن تُستثمر بعض المحطات التاريخية لبناء مصالحة حقيقية تتجاوز جراح الماضي، بقيت بعض الملفات تُدار بمنطق الحذر المفرط أو الحسابات الضيقة، وهو ما عزز شعورًا لدى قطاعات من العراقيين بأن صفحة الماضي لم تُطوَ بالكامل. كما أن غياب المبادرات الكفيلة ببناء الثقة الشعبية ترك المجال مفتوحًا أمام الخطابات المتشددة وسوء الفهم المتبادل. إن المشكلة الحقيقية ليست في وجود الخلافات، فذلك أمر طبيعي بين الدول، وإنما في طريقة إدارتها. فحين يغيب التفكير الإستراتيجي، وتضعف الحكمة، ويتراجع الحوار، تتحول الأخطاء الصغيرة إلى أزمات مزمنة، وتتحول الخلافات السياسية إلى رواسب اجتماعية ونفسية يصعب تجاوزها. إن مستقبل العلاقات بين العراق والكويت لا ينبغي أن يبقى أسير الماضي، ولا أن يُدار بمنطق ردود الأفعال. فالدول الرشيدة تبني سياساتها على المصالح المشتركة، وتحترم حقائق الجغرافيا، وتدرك أن استقرار الجار جزء من استقرارها. كما أن الشعوب لا ينبغي أن تتحمل ثمن أخطاء الساسة أو سوء إدارة الملفات الحساسة. إن المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات، وإنما مراجعة نقدية شجاعة من الطرفين، تعترف بالأخطاء دون إنكار، وتبحث عن حلول بدلًا من إعادة إنتاج الأزمات. فما يجمع العراق والكويت اكثر بكثير مما يفرقهما، وأي سياسة لا تنطلق من هذه الحقيقة محكوم عليها بإطالة أمد الخلاف وإدامة مشاعر الاحتقان. إن التاريخ لا يفرض العداوات بقدر ما يفرض مسؤولية التعلم منها، والجغرافيا لا تمنح فرصة لتغيير الجيران، لكنها تمنح فرصة لبناء علاقة قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. وعندما تنتصر الحكمة على الانفعال، ويعلو صوت الدولة على ضجيج الخطابات المتشنجة، يصبح المستقبل أكثر أمنًا للشعبين، وتتحول دروس الماضي من مصدر للخصومة إلى أساس للتعاون والاستقرار.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *