المنظورات الاستراتيجية لزيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن

المنظورات الاستراتيجية لزيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن
آخر تحديث:
سدير الشايع

تُمثل زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن محطة مفصلية في مسار العلاقات العراقية–الأمريكية، إذ تتجاوز بعدها البروتوكولي لتشكل اختباراً لمستقبل تموضع العراق في البيئة الإقليمية، وسط تداخل المصالح الأمريكية والإيرانية والإسرائيلية والعراقية. المنظور الأمريكي (من الدعم الأمني إلى الشراكة المشروطة) تنظر الولايات المتحدة إلى العراق ضمن مقاربة جديدة لا تجعل العلاقة محصورة بالملف العسكري، بل تربط مستقبل الشراكة بقدرة بغداد على بناء دولة أكثر قدرة على فرض سيادتها وخلق بيئة مستقرة للاستثمار . وفي هذا السياق، أصبح ملف الفصائل المسلحة يمثل معياراً سياسياً أكثر من كونه ملفاً أمنياً فقط؛ فالمهلة المحددة حتى 30 أيلول لا تُقرأ باعتبارها موعداً إجرائياً، بل كأداة ضغط تهدف إلى اختبار قدرة الحكومة على تحويل خطاب السيادة إلى خطوات عملية. وفي المقابل، تطرح واشنطن مسار الطاقة والاستثمار بوصفه الوجه الآخر للعلاقة الجديدة، إذ تمثل مشاريع شركات الطاقة الأمريكية، ومنها التعاون مع شيفرون (Chevron) في البصرة، محاولة لإعادة بناء النفوذ الأمريكي عبر الاقتصاد وليس فقط عبر الأدوات الأمنية . وعليه، فإن الرسالة الأمريكية الأساسية يمكن تلخيصها بالانتقال من معادلة: “الدعم مقابل الاستقرار الأمني” إلى معادلة: “الشراكة مقابل تعزيز مؤسسات الدولة”. المنظور الإيراني (إدارة التحول والحفاظ على النفوذ) لا تُقرأ الزيارة إيرانياً باعتبارها مواجهة مباشرة مع النفوذ الإيراني، بل باعتبارها اختباراً لقدرة طهران على إدارة مرحلة جديدة داخل العراق . فالمشهد داخل الفصائل المسلحة لم يعد موحداً؛ إذ برز اتجاه يرى إمكانية إعادة تنظيم العلاقة مع الدولة العراقية لشرعنة النفوذ السياسي والاقتصادي، مقابل اتجاه عقائدي آخر يعتبر أي تنازل عن السلاح تراجعاً استراتيجياً . وتشير هذه المعطيات إلى أن التحدي الإيراني لم يعد منع أي تغيير، بل التأثير في مسار هذا التغيير وضمان عدم تحوله إلى إقصاء سياسي، كما أن غياب اتفاق عراقي–إيراني منفصل ومعلن بشأن ملف الفصائل يجعل القضية مرتبطة بالتوازنات الإقليمية الأوسع، بما فيها مسار العلاقات الأمريكية–الإيرانية وملفات التهدئة، وبذلك، فإن المقاربة الإيرانية تقوم على: إدارة التحول بدلاً من مواجهته، والحفاظ على النفوذ السياسي حتى مع تغير شكل النفوذ الأمني. المنظور الإسرائيلي (الأمن الإقليمي قبل الاقتصاد) تنظر إسرائيل إلى زيارة الزيدي من زاوية مختلفة؛ إذ لا تركز على المكاسب الاقتصادية للعراق بقدر تركيزها على انعكاسات الزيارة على معادلة الردع مع إيران ومخرجات الصراع الإقليمي الأخير . فأي مسار يؤدي إلى تقليص استقلالية الفصائل المسلحة وتعزيز سلطة الدولة العراقية يُنظر إليه إسرائيلياً باعتباره عاملاً يحد من قدرة إيران على استخدام الساحة العراقية ضمن شبكة نفوذها الإقليمية . ولهذا فإن الاهتمام الإسرائيلي يتركز على سؤال الأمن: هل تستطيع الحكومة العراقية ضبط الفصائل ومنع استخدام الأراضي العراقية في التصعيد الإقليمي وإطلاق المسيرات؟. ومن هذه الزاوية، لا تُقاس الزيارة فقط بما ستنتجه من اتفاقات اقتصادية أو شحنات نقدية دولارية، بل بقدرتها على منع انتقال العراق من دولة توازن إلى ساحة صراع مفتوحة .  المنظور العراقي (اختبار الدولة لا اختبار التحالفات)  بالنسبة لبغداد، تمثل الزيارة فرصة لإعادة تعريف موقع العراق كدولة قادرة على إدارة علاقاتها المتعددة، لكنها في الوقت نفسه تحمل تحديات كبيرة. فالنجاح لا يكمن في الانحياز لمحور على حساب آخر، بل في قدرة الحكومة على تحويل التنافس الدولي والإقليمي إلى مكاسب وطنية عبر ثلاثة مستهدفات: تعزيز سلطة المؤسسات الرسمية، جذب الاستثمار والطاقة، ومنع تحول ملف السلاح إلى أزمة داخلية أو اقتتال أهلي.  الخلاصة الاستراتيجية  تكشف زيارة الزيدي إلى واشنطن عن تقاطع ثلاث رسائل إقليمية ودولية متوازية؛ واشنطن تريد شريكاً أكثر قدرة على فرض الدولة ، وطهران تريد عراقاً يحافظ على دوره كمساحة توازن ، وتل أبيب تريد عراقاً لا يتحول إلى منصة تهديد أمني . أما الاختبار الحقيقي للحكومة العراقية ولرئيس الوزراء علي الزيدي شخصياً فلن يكون في مضمون اللقاءات أو البيانات المشتركة فقط، بل في قدرته التنفيذية بعد العودة على إدارة هذه التوقعات المتعارضة، وتحويلها إلى مشروع وطني واقعي يعزز موقع وسيادة الدولة العراقية دون الانزلاق لصدام داخلي أو خسارة الاستقرار مع الجوار . المصادر المعتمدة في تدقيق وإعداد هذا التقرير: 1. وكالة رويترز الأنباء (Reuters) – التغطيات الرسمية لملفات الطاقة والزيارة الاستثمارية. 2. مجلة فورين بوليسي (Foreign Policy) – تقارير التحول في الاستراتيجية الأمريكية تجاه المشرق العربي لعام 2026. 3. معهد تشاتام هاوس البريطاني (Chatham House) – أوراق تقدير الموقف حول سيادة الدولة العراقية وعقيدة “العراق أولاً”. 4. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى – تحليلات الامتثال المالي للبنك المركزي ومهلة 30 أيلول.  5. مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) – دراسات تتبع نفوذ الفصائل المسلحة ومصادر تمويلها.

6. وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إيرنا) – التصريحات الدبلوماسية الرسمية لوزارة الخارجية الإيرانية بشأن الأمن الإقليمي المشترك.

7. وكالة تسنيم الدولية للأنباء – تحليلات وتوجهات قادة الفصائل والإطار التنسيقي حول إعادة تنظيم العلاقة مع الدولة.

8. صحيفة كيهان الإيرانية – الافتتاحيات السياسية حول محددات وخطوط طهران الحمراء في ملفات الطاقة والتجارة مع بغداد.

 9. القناة 12 الإسرائيلية – التقارير العسكرية المعنية بمراقبة تهديدات الطائرات المسيرة والصواريخ من الساحة العراقية.

10. معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) – أوراق بحثية حول معادلات الردع الإقليمي ووحدة الساحات بعد الحرب الأخيرة.

11. صحيفة هآرتس العبرية – التحليلات السياسية لخيارات الضربات الاستباقية والرقابة على التدفقات المالية.

12. شبكة شفق نيوز والبيانات الرسمية للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء – متابعة حملة مكافحة الفساد (“عملية الفجر”) وجداول انسحاب التحالف الدولي.  13. صحيفة الشرق الأوسط – قراءات وتقارير التوازن الدبلوماسي العراقي في المنطقة.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *