بين وجع المريض وقسوة المؤسسات الصحية بقلم د مصطفى الصبيحي

آخر تحديث:

في اللحظات التي يفترض أن تكون فيها الدولة أقرب إلى المواطن، تتحول بعض مؤسساتها إلى عبء إضافي عليه. داخل المستشفيات، لا يقتصر الألم على المرض وحده، بل يمتد ليشمل طريقة التعامل، والإجراءات، وتفاصيل يومية تكشف حجم خلل أعمق من مجرد نقص خدمات.

المريض لا يدخل المستشفى بإرادته الكاملة، بل تدفعه الحاجة. يدخل وهو في أضعف حالاته، يبحث عن علاج أو حتى كلمة تطمئنه، لكنه يجد نفسه في مواجهة واقع مختلف تبدأ فيه المعاناة منذ اللحظة الأولى.

ازدحام خانق، أعداد كبيرة من المراجعين، وممرات ممتلئة بأشخاص لا تعرف صفاتهم بدقة، لكن تأثيرهم واضح على سير الإجراءات. كل خطوة قد تحتاج “تسهيل”، وكل معاملة قد ترتبط بما يشبه العرف غير المكتوب، وكأن الوصول إلى العلاج لا يمر فقط عبر الطب، بل عبر تعقيدات إضافية.

لكن المفارقة الأكثر إيلاماً تبدأ من تفاصيل تبدو بسيطة لكنها تمس الكرامة مباشرة.

حتى زيارة المريض، وهي أبسط حق إنساني، أصبحت مشروطة بدفع مبلغ من المال كرسوم دخول. والأكثر غرابة أن الدفع لا يتم نقداً، بل عبر البطاقة المصرفية فقط. هنا يطرح سؤال نفسه بقوة: ماذا يفعل من لا يملك المال؟ وماذا عن شريحة واسعة من المجتمع لا تمتلك بطاقة مصرفية أساساً؟ كيف تتحول زيارة إنسان مريض إلى إجراء مالي وتقني معقد، بدل أن تكون لحظة دعم ومساندة؟

وكأن الألم لا يكفي، بل يضاف إليه عبء جديد اسمه “الإجراءات”.

وفي جانب آخر، تتكرر مفارقة أكثر قسوة داخل المنظومة العلاجية نفسها. في مدينة الطب، التي يفترض أنها تمثل أعلى مستوى صحي في البلاد، قد يطلب من المريض إجراء تحليل داخل المستشفى، ثم يرسل ذويه إلى مختبرات خارجية لإكمال الفحوصات بسبب نقص المواد أو المستلزمات. هذا ليس تفصيلاً بسيطاً، بل خلل يمس جوهر الخدمة الصحية، ويحول المريض من حالة علاج إلى حالة تنقل ومعاناة إضافية.

ولا تتوقف الصورة عند هذا الحد. في بعض الردهات، لا يجد المرضى سريراً يأويهم، فيُجبرون على النوم على الأرض، في مشهد يصعب وصفه دون شعور بالصدمة. الأكثر قسوة ليس فقط هذا الواقع، بل ما يحدث حوله؛ إذ يضطر الكادر الطبي والتمريضي إلى العبور بين المرضى ومن فوقهم أحياناً بسبب ضيق المكان وشدة الازدحام. هنا لا نتحدث عن نقص خدمات فقط، بل عن انتهاك صريح لكرامة الإنسان، حيث يتحول المريض من حالة يجب رعايتها إلى عائق يجب تجاوزه.

داخل المستشفى، المشهد لا يقل صعوبة. طاقة استيعابية محدودة، مصاعد قليلة، وانتظار طويل قد يمتد لساعات، حتى للمرضى في حالات حرجة.

لكن ما هو أخطر من ذلك هو واقع البنية التحتية الطبية. كثير من الأسرة، والأجهزة، ومعدات الفحص تبدو قديمة ومتهالكة، وكأنها لم تحدث منذ سنوات طويلة. الجدران نفسها تعكس هذا الإهمال، في صورة توحي بأن التطوير والتحديث ليسا ضمن أولويات المنظومة.

أما الغرف، فهي صدمة بحد ذاتها. ليس الأمر انطباعاً عابراً، بل واقع يرى بالعين. وجود حشرات داخل بعض الغرف، وانتشار القوارض في أماكن متعددة، حتى في غرف “خاصة” مدفوعة، يعكس خللاً خطيراً في النظافة والإدارة معاً. هذه ليست حالات فردية معزولة، بل مشاهد يمكن لأي مراجع أن يراها، ما يطرح سؤالاً أكبر: إذا كان هذا هو حال مؤسسة تعد من الأفضل، فكيف تبدو بقية المستشفيات؟

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل وجود كوادر طبية وإنسانية تعمل تحت ضغط كبير وإمكانيات محدودة، وتحاول أن تقدم ما تستطيع للمريض. المشكلة ليست في الأشخاص، بل في منظومة غير متوازنة ترهق الجميع: المريض والطبيب والإدارة معاً.

المفارقة أن كل هذه المشاهد تحدث داخل مؤسسات يفترض أنها “قمة الهرم الصحي”. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إذا كان هذا هو مستوى القمة، فما هو مستوى القاع؟

الدول لا تقاس بالشعارات، بل بالخدمات. والصحة ليست قطاعاً ثانوياً، بل أساس الاستقرار الإنساني. وعندما يتحول هذا الأساس إلى مصدر معاناة، فإن المشكلة لا تكون في التفاصيل، بل في البنية كلها.

في النهاية يبقى السؤال مفتوحاً: إلى متى يدفع الإنسان ثمن الإهمال مرتين… مرة بصحته، ومرة بكرامته؟
وهل يعقل أن تتحول زيارة مريض إلى إجراء مالي؟

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *