في كل مرة يُعلن فيها عن “منهاج وزاري” جديد، يُراد للعراقيين أن يصدقوا أن صفحة مختلفة قد فُتحت، وأن الدولة مقبلة على إصلاح حقيقي، لكن ما يُطرح اليوم لا يبدو سوى نسخة مكررة من الشعارات ذاتها التي سمعها الناس منذ سنوات، بينما الواقع يزداد انهياراً وفساداً وفوضى.
اللافت في المنهاج المقدم من المكلف علي الزيدي، أنه يتحدث بوضوح عن “تطوير إمكانات منتسبي الحشد الشعبي” وتعزيز دوره داخل المنظومة الأمنية، وكأن المشكلة في العراق كانت يوماً نقصاً في النفوذ أو السلاح أو التمويل لدى الفصائل، لا تضخم قوتها خارج إطار الدولة.
السؤال الذي يطرحه العراقي البسيط اليوم:
هل تعاني مؤسسات الدولة من ضعف الحشد… أم من تمدده؟
العراق لا يفتقر إلى التشكيلات المسلحة، بل يفتقر إلى دولة قادرة على فرض القانون على الجميع دون استثناء.
البلد غارق بالسلاح، والاقتصاد منهك، والقرار السياسي مشتت، والمنافذ والحدود والصفقات تدور حولها شبهات لا تنتهي، ثم يأتي المنهاج ليحدثنا عن “تطوير الإمكانات” وكأن الأولوية الوطنية هي زيادة نفوذ القوى المسيطرة أصلاً على مفاصل واسعة من الدولة.
الأخطر من ذلك، أن المنهاج خلا تقريباً من أي مشروع حقيقي لمحاسبة الفاسدين الكبار.
أين بند “من أين لك هذا”؟
أين الحديث عن فتح ملفات ثروات قادة الأحزاب والإطار والمتنفذين الذين تحول بعضهم خلال سنوات قليلة من شخصيات عادية إلى أصحاب إمبراطوريات مالية وعقارية ومصارف وشركات؟
كيف يمكن الحديث عن إصلاح دون كشف مصادر الأموال؟
كيف يمكن إقناع الشعب بمحاربة الفساد بينما لا توجد إرادة لمحاسبة الرؤوس الكبيرة؟
العراقيون لا يريدون خطابات جديدة عن السيادة والإصلاح والتنمية، بل يريدون خطوة واحدة حقيقية:
إخضاع الجميع للقانون.
أي منهاج لا يبدأ من:
* حصر السلاح فعلياً بيد الدولة،
* محاسبة الفاسدين مهما كانت مواقعهم،
* كشف الذمم المالية للمسؤولين،
* وتطبيق “من أين لك هذا” على كل من أثرى من السلطة،
فهو مجرد ورقة سياسية لتدوير الأزمة لا أكثر.
المشكلة ليست في كتابة البنود، بل في الجهة التي ستنفذها.
فكيف لمن شارك في إدارة النظام طوال السنوات الماضية أن يقدم نفسه اليوم كمنقذ؟
وكيف لمن كان جزءاً من منظومة النفوذ والصفقات أن يقنع الناس بأنه سيقود معركة ضد الفساد؟
العراقيون تعبوا من الكلمات الكبيرة.
يريدون دولة، لا شعارات.
يريدون قانوناً يطال الجميع، لا انتقائية سياسية.
ويريدون حكومة تواجه مراكز القوة، لا حكومة تتعايش معها وتمنحها مزيداً من الشرعية تحت عنوان “التطوير والدعم”.
منهاج حكومي أم إعادة تدوير للأزمة؟ بقلم ضياء الكواز
آخر تحديث:
