في مشهد أربك خصوم التوافق السياسي، تحولت زيارة رئيس الحكومة علي الزيدي إلى رئيس الحكومة السابق محمد السوداني إلى مادة لحملات تضليل واسعة، حاولت قلب الوقائع وتغيير صورة الحدث، رغم أن الفيديو المتداول حسم الجدل بوضوح، وأظهر أن السوداني كان في استقبال الزيدي، ما يؤكد أن الأخير هو من بادر بالزيارة، بعيدا عن الروايات التي حاولت تسويق صورة معاكسة لإرضاء حسابات سياسية مرتبكة أمام تنامي التنسيق بين الرجلين.
ورغم أن الزيارة بحد ذاتها لا تنتقص من مكانة أي طرف، سواء كان الزيدي زائرا أو السوداني مستقبِلا، إلا أن بعض الجهات تعاملت مع المشهد وكأنه ضربة سياسية موجعة، ليس بسبب البروتوكول، بل لأن اللقاء كشف عن ولادة مرحلة جديدة عنوانها “العمل الاستراتيجي المشترك” بين زعيمين اختارا كسر نمط الصراعات التقليدية التي رافقت انتقال السلطة في العراق منذ عام 2003.
فعلى امتداد السنوات الماضية، كانت الحكومات العراقية تخرج من السلطة محاطة بالخصومات والانقسامات والتراشق السياسي، كما حدث بين نوري المالكي وحيدر العبادي، وبين إياد علاوي وخلفائه، وصولا إلى الخلافات التي رافقت مرحلة عادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي، حيث تحولت القطيعة السياسية إلى قاعدة شبه ثابتة في المشهد العراقي.
لكن لقاء الزيدي والسوداني بدا مختلفا تماما، إذ كشف عن إرادة واضحة لبناء تنسيق طويل الأمد يتجاوز حدود المرحلة الحكومية الحالية، ويؤسس لمسار سياسي يقوم على الشراكة في الملفات الكبرى، بعيدا عن حسابات الثأر السياسي أو صراعات النفوذ.
ووفقا لمصدر مطلع، فإن الزيارة جاءت في إطار تعزيز العمل المشترك والتنسيق في ملفات الإصلاح، وعلى رأسها ملف حصر السلاح بيد الدولة، إلى جانب مواصلة فتح ملفات العقود والصفقات التي تعود إلى الحكومات السابقة، وهو المسار الذي كانت حكومة السوداني قد بدأته، فيما تعتزم حكومة الزيدي المضي به خلال المرحلة المقبلة.
وتشير معلومات سياسية إلى أن هذا التقارب تحديدا أثار حالة قلق داخل بعض الأوساط التي تخشى أن يؤدي التنسيق بين الطرفين إلى إزالة الحواجز السياسية التي كانت تعرقل الوصول إلى ملفات حساسة وشائكة، خصوصا تلك المرتبطة بعقود وزارة الدفاع وصفقات التسليح والتجهيز والدعم اللوجستي، والتي طالما أحاطتها شبهات فساد كبيرة.
وفي ظل هذه التطورات، يرى مراقبون أن حملات التضليل التي رافقت اللقاء لم تكن سوى انعكاس لحجم التوتر الذي أصاب الجهات المتضررة من أي تقارب قد يفتح أبواب التحقيق والمحاسبة، خاصة مع تنامي المؤشرات على وجود تفاهم سياسي صلب بين الزيدي والسوداني في ملفات الإصلاح ومكافحة الفساد.
وأكد المصدر المطلع أن “الذين في قلوبهم مرض سيزدادون قلقا وهم يشاهدون وحدة العمل بين السوداني والزيدي”، في إشارة إلى أن محاولات قلب الحقائق لن تغير من واقع التقارب السياسي القائم، بل ستكشف حجم الخشية من مرحلة قد تحمل إعادة فتح ملفات ظلت لسنوات بعيدة عن المساءلة.
